الإسلام دين العدل
محمد القاضي • المنهج السلفي
فقال الرجل: "لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد بعته منك سليمًا صحيحًا".
فقال عمر: "اجعل بيني وبينك حكمًا".
فقال الرجل: "يحكم بيننا شريح الكندي".
فقال عمر: "رضيت". فاحتكم عمر أمير المؤمنين وصاحب الفرس إلى شريح، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي؛ التفت إلى عمر -رضي الله عنه-، وقال: "هل أخذت الفرس سليمًا يا أمير المؤمنين؟".
فقال عمر: "نعم".
فقال شريح: "احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين، أو رُد كما أخذت!".
فماذا كان موقف عمر عند ذلك؟ هل زمجر في وجهه، وقال: كيف تحكم على أمير المؤمنين أو شيئًا من هذا القبيل؟! كلا، ولكن قال: "وهل القضاء إلا هكذا؟! قول فصل، وحكم عدل".
إذا تقرر هذا فإنه؛ لا عدل إلا في ظل شريعة الله -تعالى-، فليُعلم أنه إذا قصَّر أهل الشريعة في بيان ما انطوى عليه دين الله وحكمه من العدل والرحمة والمصلحة في العاجل والآجل؛ فإن ذلك التقصير سيحمل أهل الباطل على أن يبتكروا لأنفسهم من السياسات والقوانين ما يظنونه عدلاً، وهو الظلم بعينه، والجور برمته.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "هذا موضع مزلة أقدام، وهو مقام ضنكٍ، ومعتركٌ صعب، فرط فيه طائفة؛ فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرةً لا تقوم بها مصالح العباد، وسدوا على نفوسهم طرقًا عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل، بل عطلوها مع علمهم -قطعًا- وعلم غيرهم بأنها أدلة حق؛ ظنًا منهم منافاتها لقواعد الشرع، والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة، فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة؛ أحدثوا لهم قوانين سياسية ينتظم بها أمر العالم، فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض، وتفاقم الأمر وتعذر استدراكه، وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله".
ومن ذلك: إطلاق الكفار والعلمانيين ودعاة حقوق الإنسان العدل على كثير من المبادئ والأفكار المخالفة للدين الحق، بل ربما بعضها يصادم أديانهم المحرفة، كإطلاقهم العدل على التسوية بين المختلفَيْن، ويندرج تحت هذا صورٌ كثيرة، منها: التسوية في الحقوق السياسية بين الخاصة والسوقة، وبين العلماء والسفهاء، وبين الخبير بالشأن والعجوز التي لا تعلم شيئًا عما هو خارج عن نطاق بيتها، فيجعلون أصوات هؤلاء كلِّهم على حد سواء بزعم العدل، وهذا غاية الظلم، وهو منافٍ للعقل السليم الراجح.
وكثير من هؤلاء الكفار وأتباعهم الذين ضعف الإيمان بالله في قلوبهم يطعنون في بعض أحكام الإسلام بأنها مخالفة للعدل، فيشككون بذلك في الإسلام: كجعل دية المرأة نصف دية الرجل، وميراثها على النصف من ميراث الرجل... إلى غير ذلك من الأحكام التي شرعها أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين.
ولهم سلف في هذا المسلك المرذول، فقد ذكروا أن أبا العلاء المعري لما قَدِم بغداد اشتهر عنه أنه أورد إشكالاً على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرًا دل على جهله وقلة عقله، فقال:
يدٌ بخمس مئين عسجدٍ وُديت ما بالها قطِعتْ في ربع دينار؟!
تناقضٌ ما لنا إلا السكوتَ له وأن نـعــوذَ بـمـولانا مـن النـار
ولما قال ذلك واشتهر عنه؛ تطلَّبه الفقهاء فهرب منهم، وقد أجابه الناس في ذلك، فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي أن قال: "لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت؛ هانت".
ومنهم من قال: "هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمس مائة دينار؛ لئلا يُجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدْر الذي تقطع فيه ربع دينار؛ لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب".
ومن ذلك: ما نراه ونسمعه ونقرأه من بعض الكتَّاب والمؤلفين والمتحدثين عندما يصفون الإسلام بأنه "دين المساواة" هكذا بإطلاق!، ويعدون هذا الوصف منقبة له؛ إذ ساوى بين الناس جميعًا -كما يزعمون-!
وتجد هذا كثيرًا عند حديثهم عن موقف الإسلام من غير المسلمين، أو موقفه من حقوق الإنسان، أو موقفه من المرأة؛ متوهمين أن "صفة المساواة" صفة مدح في جميع أحوالها، فيلزمهم على هذا أن يساووا بين أحكام المسلم وأحكام الكافر، وبين أحكام الرجل وأحكام المرأة، وهي مما جاءت الشريعة بالتفريق بينها.
وقد فعل هذا العصريون -للأسف!- عندما واجهتهم النصوص الشرعية التي تمايز بين من سبق، فأخذوا يتكلفون طريقة التخلص منها؛ إما بردها، أو التغافل عنها، أو تأويلها! حتى وصل بهم الحال إلى أن جعلوا المسلم -في الدنيا- كالكافر -والعياذ بالله-، بل تجاوز بعضهم في الضلال حتى جعلهم متساوين في أحكام الآخرة! مشاقة لله -عز وجل-، واتهامًا مبطنًا له -جل جلاله- بالظلم في أحكامه! ومن طالع كتاباتهم؛ علم هذا.
فيصدق على هؤلاء قوله -تعالى-: ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ) (القلم:35) ، وقوله -تعالى-: ( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (ص:28) ، وقوله: ( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) (الجاثية:21) .
وكذلك فعلوا في أحكام الرجل وأحكام المرأة؛ إذ ساووا بينهما، معتقدين أنهم بهذه الطريقة ينصرون المرأة المسلمة، محملينها ما لم يُحمِّلها الله.
وما علِم هؤلاء أن المساواة المطلقة لا وجود لها إلا في أذهانهم، وأنها مخالفة ومعاندة لقضاء الله الشرعي والقدري، فقد فاوت -سبحانه- بين مخلوقاته، ويسر كلَّ مخلوق لما خُلق له، فالشمس غير القمر، والرجل غير المرأة، وهكذا... وفاوت -كذلك- بين من أطاع أمره ممن خالفه، فجعل لكل واحد أحكامه التي تخصه بسبب اختياره وعمله.
فلو وُفق هؤلاء الكتَّاب؛ لأنزلوا كل مخلوق منزلته التي أنزله الله إياها، موقنين بأن الله لا يظلم أحدًا.