مرجعية المؤسسات الدينية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمصطلح "المرجعية" أحد المصطلحات الشائعة في عالم الأفكار والمناهج الديني منها وغير الديني، ولكنه يأخذ دلالة واضحة وقاطعة وملزِمة في نطاق الديانات المحرفة: كالنصرانية، والديانات الأرضية: كالبوذية.
وبعيدًا عن الخلاف النظري بين طوائف النصرانية في مسألة عصمة "البطريرك" أو "البابا" -كما يلقبونه-؛ فإن كل طائفة تـُعطي لرأسها سلطات واسعة، منها: "نسخ" الشريعة الذي وقع مرارًا من "الباباوات" مع أن القوم يستنكفون من مسمى النسخ! بل بلغ الأمر إلى نسخ العقائد والأخبار -وهو مما لا يدخله النسخ-، كما برَّأ بابا الفاتيكان اليهود من دم المسيح مع أنه لم يغيِّر الرواية الإنجيلية لواقعة الصلب المزعومة!
وهذه الصفة متأصلة في هذه الديانات المحرَّفَة، أثبتها القرآن عليهم في قوله -تعالى-: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (التوبة:31) ، وفسَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لعدي بن حاتم -رضي الله عنه- في ثنايا دعوته إياه للإسلام بقوله: ( أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ). قال: قُلْتُ بَلَى، قَالَ: ( فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ ) (رواه الترمذي و البيهقي، والطبراني واللفظ له، وحسنه الألباني) .
وقد أخذت الشيعة فيما أخذت عن النصرانية مسألة المرجعية الملزمة لعلمائهم لا سيما مع عقيدة التقيَّة التي تجعل الرجل العامي الشيعي منعدم المرجعية الشخصية؛ حتى لو نُقل من النقيض إلى النقيض فالتفسير موجود وهو: أن أحد القولين إن لم يكن كلاهما تقية! ولا أظن أن الرجل العامي الشيعي يهمه أن يعرف حقيقة المذهب في أي مسألة كانت من التقية مما يعوزه دائمًا إلى مراجعة "مرجعياته المذهبية".
بل إذا انقطعت الصلة بينه وبين مرجعياته المذهبية فليس أمامه سبيل لكي تكون له مرجعية شخصية من علم يتعلمه، وإنما أرشدته مرجعياته إلى أن يسأل علماء أهل السنة ويخالفهم.
هذا هو حال الديانات المحرفة والمذاهب الإسلامية المتأثرة بهم، ولكن أليس لدى أهل السنة مرجعيات هم أيضًا: كالأئمة الأربعة في الفقه، وأصحاب الكتب الستة في الحديث ومعهم علماء الجرح والتعديل، وفي كل الميادين يوجد علماء أعلام مثـَّلوا "مرجعيات" لغيرهم من العلماء فضلاً عن العوام، وهذا ما أرشد إليه القران بقوله: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ؟!
بل إن تَميُّز كل عالم بعلم أو بأبواب من العلم عُرِف في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، ودعا -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما-: ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني، وهو في الصحيحين دون قوله: ( وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) .
بيد أنه وبغض النظر عن الاصطلاح؛ فإن رجوع أهل السنة لعلمائهم يختلف تمامًا عن تلك المرجعيات التي ذكرنا شأنها عند الملل والمذاهب المنحرفة.
ويمكن إجمال أبرز نقاط الاختلاف فيما يلي:
1- أن الحكم والتشريع والأمر والنهي مرده كله إلى الله ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) .
2- أن طاعة الرسول واجبة دون الإخلال بأن الحكم لله؛ لأنه معصوم فيما يبلغ عن الله ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (النساء:80) ، ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ) (النجم:3) .
3- أن الدعوة موجَّهة إلى الجميع لِتعلُّم أكبر قدر ممكن من العلم كل حسب قدرته، ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) ، وهذه النقطة تمثل نقطة فارقة بين منهج أهل السنة وبين تلك المناهج المنحرفة حيث تحرص هذه المناهج على تجهيل الأتباع وفصلهم عن مصادر التلقي الأصلية الخاصة بتلك المناهج؛ ليبقوا دائمًا في دائرة التبعية العمياء للمرجعيات إلى الدرجة التي كانت فيها الأناجيل غير مسموح بتداولها بين عوام النصارى حتى وقت قريب.
4- عندما يتعرض الإنسان لمسألة لا يدريها حينئذٍ يسأل أهل العلم: ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ).
5- ومع هذا فالأجود أن يكون السؤال للتعلم والعمل وليس للعمل فقط، وذلك عن طريق السؤال عن الدليل، بل طبَّق الصحابة -رضي الله عنهم- ذلك مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا أعني بذلك أنهم سألوه -صلى الله عليه وسلم- عن الدليل إذ كلامه حجة، ولكن أعني أنهم لما استشكلوا بعض كلامه استفسروا وسألوا سؤال المتعلم كما في حديث: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ). فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟! قَالَ: ( تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (رواه البخاري ومسلم) ، وكما في حديث: ( إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟! قَالَ: ( إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ ) (رواه البخاري ومسلم، وابن ماجه واللفظ له) .
6- بالإضافة إلى ذلك فقد قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الفتوى المخالفة للدليل يجب أن تُرد كما في قصة العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره.