مرجعية المؤسسات الدينية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
7- وحتى عندما أساء البعض تطبيق هذه القاعدة لم ينكر عليهم الصحابة أصل السؤال عن الدليل، ولكن أرشدوهم إليه كما في قصة المرأة التي أتت ابن مسعود -رضي الله عنه- فقالت: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِيَ لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَي الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ. فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر:7) (متفق عليه) .
8- كان هذا هو الشائع في زمن الصحابة -رضي الله عنهم- حيث لم يكن الفارق كبير بين جمهورهم وبين علمائهم فكان السؤال والجواب لا يكاد يخلو من ذكر الدليل، ولكن لما اتسع البون بين العامة والعلماء في زمن الأئمة الأربعة؛ بالغ الأئمة في حث أتباعهم أو على الأقل تلامذتهم على الحرص على معرفة الدليل، كما حثوهم من باب أولى على ترك أقوالهم المخالفة للدليل.
وفي ذلك يقول أبو حنيفة -رحمه الله-: "لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه". ويقول: "إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله -تعالى- وخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- فاتركوا قولي".
ويقول مالك -رحمه الله-: "ليس أحد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي -صلى الله عليه وسلم-".
ويقول الشافعي -رحمه الله-: "أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يحل له أن يدعها لقول أحد من الناس"، ويقول: "كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند أهل النقل بخلاف ما قلتُ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي".
ويقول الإمام أحمد -رحمه الله-: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا".
9- مع نهي العلماء الأجلاء عن تقليدهم مع عظم حرصهم على اتباع السنة تبرؤوا من أي خطأ قد يكونوا وقعوا فيه؛ فإنهم من باب أولى اشتد نهيهم عن مصاحبة أهل البدع أو الأخذ عنهم بأي صورة من الصور.
10- بيد أنه مع طول العهد وانتشار الفتن، واختلاط الحابل بالنابل وُجد بعض من يكون ثبتًا في باب مخلطًِا في آخر ككثير من الفقهاء الذين مالوا إلى مذهب الأشاعرة في الصفات أو في غيرها مع علو شأنهم في: الفقه أو الحديث أو التفسير أو غيره.
وهنا ظهرت مدى مرونة منهج أهل السنة وتحقيقه للخير فمع بقاء ووضوح المرجعية العليا التي هي الكتاب والسنة أمكن أن يستفاد من كل أحد في العلوم التي التزم فيها بهذا الفهم مع تركه في غير هذا الباب، بل اتسع المقام للاستفادة من الخير الذي عند بعض رؤؤس البدع المشربين حبها: كالزمخشري المعتزلي، والرازي الأشعري المتفلسف، وغيرهما...
11- ومن هذا المنطلق أبرز شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- هذا المنهج في التعامل مع العلماء الذين لم يلتزموا بالمنهج السلفي في كل الأبواب.
12- وإذا كان هذا هو المنهج في التعامل مع الآحاد فهل يختلف الأمر بالنسبة للجماعات أو الهيئات؟
في الواقع أن ما من تجمع ما إلا وهناك قدر مشترك بين جميع أفراده يمثل الأسس التي قام عليها هذا التجمع وقد يكون الالتزام بالأسس النظرية لبعض التجمعات مُطَبـَّق من الناحية العملية بصرامة شديدة، كما توجد درجات من التهاون في تطبيق هذه الأسس العملية تصل في بعض الأحيان إلى وجود من يعتنقون مبادئ مصادمة لمبادئ الكيان الذي ينتمون إليه!
ومن ثمَّ فالقاعدة في التجمعات هي نفس القاعدة في الأفراد مع أخذ النقطة السابقة في الاعتبار مما يقتضي في معظم الأحوال العدول عن اتخاذ موقف موحد من أعضاء هيئة ما إلى معاملة كل فرد منها كحالة مستقلة.
ولنطبق ذلك على مثالين:
الأول: جماعة الإخوان المسلمين والتي قامت على قاعدة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه"، ومن ثمَّ فمن المتوقع أن تجد تباينًا بين أفرادها يصعب معه أن تعمم حكمًا واحدًا على الجميع.
نعم قد تأخذ علي هذا الاتجاه ككل قبوله بهذه القاعدة؛ بيد أنك ستفاجئ بأن البعض يشط في تطبيقها إلى تطبيقها على الشيعة بل على الغلاة منهم، بينما يكاد يحصرها بعضهم في دائرة الخلاف السائغ؛ مما يجعلها موافِقة لمنهج السلف في التعامل مع الخلاف.
ولا نريد أن نستطرد كثيرًا في هذا المثال؛ لنفسح المجال أكثر لمناقشة المثال الآخر حيث يمثل بيت القصيد من هذه المقالة وهو: "الأزهر"، حيث خرجت أصوات من داخل الحركة إسلامية تدعو أبناء الصحوة الإسلامية أن يقبلوا بالأزهر كأعلى مرجعية سنية في العالم في مواجهة المرجعيات الشيعية، ولام بعضهم جماعات الصحوة بصفة عامة والسلفيين بصفة خاصة على رفضهم لهذه المرجعية وعدم اعتدادهم إلا بعلمائهم.
ونحن بعد استحضار كل ما سبق تقريره آنفـًا نعود ونقرر النقاط التالية:
1- الدعوة إلى اعتبار الأزهر أعلى مرجعية سنية مصادم لمنهج أهل السنة الذين مرجعيتهم العليا هي: "الكتاب والسنة"، وشعارهم: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".
فلا يبقَ مقام والحالة هذه إلى وجود مرجعيات بالمعنى المراد من هذه الكلمة عند الإطلاق، لاسيما إذا أطلقت في مواجهة المرجعيات الشيعية.
2- إن الدعوة إلى اعتبار الأزهر أكبر مرجعية سنية في العالم أمر لا يخلو من عصبية قومية تقابلها عصبية كل بلد إسلامي لمؤسساته الشرعية: كـ"جامعة الزيتونة" في "تونس"، أو "لجنة الإفتاء" بـ"السعودية".