مرجعية المؤسسات الدينية
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
9- وزيادة على كل ما تقدم فإن الأزهر مؤسسة تعليمية لا تستطيع أن تقوم برقابة سلوكية على جميع أفرادها في جميع مراحلها مما يُصعِّب من مهمة اعتماد المرجعية؛ فعدد كبير من موظفي لجان الفتوى في الأزهر الذين يُفترض أن يفتوا الناس وفق ما تعلموه من قضايا الفقه بيد أن كثيرًا منهم دون المستوى الفقهي أو السلوكي إلى الحد الذي قد يدفعه إلى تغيير الفتوى إذا أُهدي بهدية أو نحوها، ويزداد الأمر خطورة إذا تعلق الأمر بالأعراض كما في مسائل "الطلاق"، وهذه ظاهرة لا يمكن ادعاء عمومها كما لا يمكن تصويرها على أنها حوادث فردية.
10- كما أنه توجد قضايا ساخنة كثيرة في غاية الأهمية لا تستطيع أن تنسِب إلى الأزهر فيها منهجًا كقضية: "الموقف من البدع الإضافية" الذي تمتلئ وسائل الإعلام بمواقف تأييد لها من علماء أزهريين في حين أن كتاب: "الإبداع في مضار الابتداع" للشيخ "علي محفوظ" كان هو المنهج الرسمي المعتمَد للتدريس في الأزهر يومًا ما، وهو من أفضل الكتب التي نصرت السنة وردت البدعة؛ الإضافية وغير الإضافية.
وبالتدبر في هذه النقاط وغيرها يتبين لنا: أن الموقف من الأزهر ينبغي أن يكون كالموقف من غيره، يؤخذ منه ما وافق الحق ويرد غيره، وأن الدعوة تأخذ من علماء الأزهر كل في مجاله الذي وافق فيه الحق؛ لاسيما أعلامهم المدافعين عن السنة كمحدث الديار المصرية: "أحمد محمد شاكر"، و"مناصر عقيدة السلف" الدكتور "محمد خليل هراس"، و"رافع راية السنة" الشيخ "على محفوظ".
كما يستفيدون أيضًا من جهود من أصاب في باب وأخطأ في آخر كالعلامة الفذ في الدراسات الفقهية والمجتمعية "أبو زهرة"، وكالشيخ "الشعراوي" في جهوده الرائعة لتقريب قضية إعجاز القران، والشيخ "عطية صقر" في فتاويه الكثيرة التي وقفت غصة في حلوق العلمانيين، وكذلك فتاوى الدكتور "نصر فريد واصل" -حفظه الله-.
هذا بالإضافة إلى تعلم القرآن على أيدي حفاظ الأزهر ومتقنيه الذين يقر لهم القاصي والداني بإمامتهم في باب قراءة القرآن وتجويده، وضبط كتابة مصاحفه.
وأما كون أتباع المنهج السلفي لا يعتبرون إلا آراء رموزهم فهي تهمة يمكن أن يتهم بها كل الاتجاهات حيث تمثل اتباع التلميذ لشيخه سنة كونية لا تكاد تتخلف، ولكن النظر في سلوك الشيخ أو الرمز: هل يفعل كالمتقدمين فيأمر الأتباع أن يتعلموا الدليل ويعلمهم إياه؛ بحيث تتكون عندهم البصيرة، بل ربما أسهموا فيما بعد في تصحيح رؤية شيوخهم لبعض الأمور كما كان الشافعي يقول لأحمد -رحمهما الله تعالى-: "أنتم أعلم بالحديث والرجال مني فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به، أي شيء يكون : كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا"؟ أو يعلِّم أتباعه ألا يقرؤوا ولا يتعلموا إلا من نافذته؟!
هذا وقد يحاول البعض أن يتبرأ من هذا الفعل فيأتي هذا على حساب بيان ما يعتقد كونه حقًا فيترك الأتباع يقرؤون كتابات شخص، وربما يعتقدون ما فيها بعجره وبجره -كما يقولون- لمجرد شهرته أو انتمائه لهيئة شرعية، و"خير الأمور أوساطها".
وطالما أن الموضوع طُرِح على مائدة البحث فينبغي أن تتم دراسته دراسة موضوعية بعيدًا عن العواطف أو عن "المجاملات"؛ فيجب أن يعترف الجميع أن التعليم الأزهري ما قبل الجامعي يعاني معاناة شديدة من قلة الموارد وضعف مستوى المُدرِّسين وضعف رواتبهم؛ مما يصيبهم بالإحباط، وكون النسبة الكبرى من المعاهد الأزهرية في المناطق الريفية التي لا يتيسر فيها مصادر بديلة للمعرفة.
أضف إلى ذلك عدم وجود توزيع جغرافي جيد للكليات التابعة للأزهر مما يثبِّط أولياء الطالب المتفوق عن دخول الأزهر، فيحصل من هذا: أن الأزهر الذي كان ينبغي أن يُنتقى له خيرة العقول تعظيمًا لشأن دراسة الدين ابتداءً، ثُم مراعاة لأن الطالب يدرس المناهج التي يدرسها بالتوازي مع المنهج الشرعي؛ لا يدخله من هذه النوعية إلا النذر اليسير! مما يعني أن جامعة الأزهر تعاني مشكلة نوعية في الطلاب القادمين إليها.
وقد حاولتْ جامعة الأزهر أن تتفادى هذا القصور بفتح باب الانتساب أمام خريجي الجامعات الأخرى للدراسة الجامعية وما بعدها، وشهدت الفترة التي أتيح فيها هذا الأمر إقبالاً شديدًا من أبناء الحركة الإسلامية عمومًا، ومن التيار السلفي خصوصًا؛ لا سيما والأمر ليس فيه ما يغري أحدًا بالدخول سوى أبناء الحركة الإسلامية، ولكن هذا الأمر تم إيقافه بلا مبرر واضح، ولكن بعد أن ثبت للجميع أن الحركة الإسلامية تريد أن توصل الحق إلى الخلق من خلال الأزهر ومن خلال غيره... فهل من معين لهم على هذا التواصل مع الأزهر؟