شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مرجعية المؤسسات الدينية

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

3- من نافلة القول أن نشير إلى أن البعض يظن أن السلفيين يعتبرون "لجنة الإفتاء بالسعودية" مرجعية عليا وهذا غير صحيح؛ فقاعدة: "كل يؤخذ من قوله ويترك" تُطبَّق على الجميع، وإن كانت فتاوى لجنة الفتوى هناك لها وجاهتها باعتبارها فتوى جماعية من عدد من العلماء الملتزمين بالمنهج السلفي في: العقيدة، والفقه، ومع ذلك فقد كان للدعوة مواقف تثبت أنها تتعامل مع الجميع بقاعدة: "كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-".

فمن بعض هذه المواقف:

أ- اتسام موقف الدعوة السلفية من قضية العذر بالجهل بالوضوح التام بخلاف فتاوى لجنة الفتوى بالسعودية والتي استصحبت أحيانًا واقع السعودية وانتشار العلم بالتوحيد فيها، واستصحبت أحيانًا واقع البلاد التي ينتشر فيها الجهل.

ب- تبني معظم شيوخ الدعوة للقول بعدم كفر تارك الصلاة خلافـًا لمعظم فتاوى اللجنة، مع إثبات أن هذه المسألة مما يسع فيها الخلاف.

ج- تبني الدعوة لموقف مغاير للجنة الفتوى في السعودية من الاستعانة بالأمريكان في حرب الخليج الأولى.

د- تبني معظم شيوخ الدعوة للقول بحرمة "التورق" خلافـًا لمعظم فتاوى اللجنة.

والأمثلة لا تُحصى كثرة...

4- أما فيما يتعلق بالأزهر؛ فعلى الرغم من القبول العام لمناهج الأزهر في: الفقه، والتفسير، والحديث، وغيره من العلوم الشرعية إلا أن اعتماد الأزهر في دراسته في مراحله المختلفة لعقيدة الأشاعرة يمثل أحد أبرز نقاط الخلاف من الناحية النظرية بين المنهج السلفي والأزهر، مع الاعتراف بوجود اختلافات فردية متفاوتة بين شيوخ الأزهر في مدى التزامهم بالمنهج الأشعري سوف نشير إليه لاحقـًا.

5- كما أن هناك مواقف فردية لبعض رموز الأزهر رُوجت إعلاميًا على أنها من ثوابت الأزهر تمثل هي الأخرى إحدى أهم نقاط الخلاف، كمسألة: القبول بالمذهب الشيعي كمذهب فقهي خامس -المنسوبة إلى الشيخ شلتوت- مع الأخذ في الاعتبار أن المنهج الأشعري الذي يتبناه الأزهر رسميًا في خصومة شديدة مع المنهج الاعتزالي الذي يتبناه الشيعة الإثنى عشرية في مجمل عقائدهم، فضلاً عن انحرافاتهم الخاصة في باب الصحابة والإمامة.

6- كما أن مواقف متأخري الأزهريين من قضية أهل الذمة ينسبها الإعلام إلى الأزهر ككل، وفيها من الأقوال التي لا مستند لها من أي مذهب من المذاهب، ومن أمثلة ذلك: أن الدكتور "علي جمعة" ذكر في فتوى له أحد الأحكام المستقرة في كتب فقه الأئمة من عدم جواز التبرع لبناء أماكن المعصية: كأماكن اللهو، والكنائس؛ فاعترض بعض النصارى الذين ازداد طمعهم في الرقابة على الفتاوى التي يفتي بها علماء الدين المسلمين سائليهم، وتطوع الدكتور "طنطاوي" بتخطئة تلك الفتوى، وزعم جواز تبرع المسلم ببناء كنيسة! ونُسِبَ هذا القول إعلاميًا إلى الأزهر كمؤسسة، وليس إلى الدكتور "طنطاوي" كفرد.

7- وبالإضافة إلى الفتاوى الفردية التي تم اعتمادها بصورة أو بأخرى كموقف رسمي للأزهر؛ فإن اتخاذ أي عالم أزهري لموقف مغاير للمناهج النظرية المعتمَدة في الأزهر لا ينفي عنه صفة الأزهرية مما يُصعِّب من إطلاق وصف المرجعية على علماء الأزهر، وهذه المواقف بعضها يكون في الاتجاه الصحيح وبعضها على العكس من ذلك.

فمن الانحرافات التي أتى بها بعض رموز الأزهر "وهي خروج عن منهج الأزهر ذاته":

أ- انحراف بعضهم من المنهج الأشعري إلى المنهج المعتزلي لا سيما مع وجود حالة انبهار أزهرية بتفسير "الكشاف" للزمخشري؛ مما جعله مادة لمئات الرسائل الجامعية الأزهرية، ومعظمهم لا يتوقف عند حد إعجابه بلفتاته الأدبية حتى يجعله إعجابًا بمنهجه المعتزلي كاملاً.

ب- انحراف بعض رموز الأزهر الكبار إلى القبول بالصوفية الفلسفية كصوفية ابن عربي وغيره، رغم أن ابن عربي كثير السخرية من الأشاعرة، ومن السلف الذي يسميهم: "بالمجسِّمَة"، ورغم صدور موقف جماعي من إحدى الهيئات الأزهرية وهو "مجمع البحوث الإسلامية" بأن كتب ابن عربي تحتوى على كفر صريح.

ج- ميل بعض شيوخ الأزهر إلى الإرجاء الفلسفي وهو أكثر خطورة من الإرجاء الذي عليه جمهور والأشاعرة لا سيما الفقهاء منهم، كما يتضح هذا في ردهم على كتاب: "الفريضة الغائبة"، ومحاولة مقابلتهم دعوة الغلو في التكفير بدعوة الغلو في الإرجاء.

7- وفي المقابل نجد أن بعض علماء الأزهر له مواقف في الاتجاه العكسي بترك منهج الأشاعرة إلى منهج أهل السنة أو الوقوف في منتصف الطريق، وهو أمر دون المطلوب، ولكنه أفضل من الثبات على منهج الأشاعرة.

ا- ومن أمثلة من رجع إلى منهج السلف الدكتور "محمد خليل هراس" -رحمه الله-، والذي كان في يوم من الأيام عميد كلية أصول الدين في الأزهر، والذي سجَّل لنيل درجة الدكتوراه في نقد موقف "ابن تيمية" -رحمه الله- في الإلهيات انتصارًا للعقيدة الأشعرية؛ فانتهى به المقام إلى أن خرجت رسالته بعنوان: "باعث النهضة الإسلامية ابن تيمية السلفي"!

8- وممن اتخذ موقفًا "أكثر مرونة" من المنهج السلفي الإمام "محمد أبو زهرة" أحد أبرز أعلام الأزهر في العصر الحديث -إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق-، وله دراسة حول شيخ الإسلام "ابن تيمية" -رحمه الله-، أنصف فيها منهج "شيخ الإسلام"، ولكنه دافع في النهاية عن منهج الأشاعرة في باب الصفات مرجحًا إياه على منهج "ابن تيمية" الذي هو من وجهة نظرنا هو عين منهج السلف. بيد أن الشيخ "أبو زهرة" لم يخفِ رؤيته بأن منهج "ابن تيمية" في القـَدَر أقرب إلى المنقول والمعقول في آنٍ واحد.

8- ويبدو أن مثل هذه الدراسات قد أثَّرت بصورة أو بأخرى على كثير من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الأزهرية الذين يمزجون في تناولهم لهذه القضية بين منهج السلف ومنهج الأشاعرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية