شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

براءة الصحابة الكرام مما رماهم به اللئام

البخاري إبراهيم • المنهج السلفي

"ولقد كان المجال التاريخي -ولا زال، وسيظل- مَعْبَرا للتصورات الباهتة، والروايات الموضوعة، التي تؤيد حزبًا ضد حزب، وتعين فريقًا على فريق. إن الرواية التاريخية أصبحت على لسان المحاربين كالسيف الذي في أيديهم يقتلون بها، ويثيرون القلاقل في صفوف أعدائهم. وإذا كانت "الحرب الباردة" تعتمد على الإشاعة والأكاذيب؛ فإن الإشاعة والأكاذيب تحولت إلى روايات تاريخية، بل إلى روايات حديثية يضعها الوضاعون، ثم يرفعونها بلا خوف ولا خجل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، أو يوقفونها بلا حياء ولا استخزاء عند صحابته -رضوان الله عليهم-" "مقدمة العلامة محمد جميل غازي -رحمه الله تعالى- للعواصم" .

وهذا كله يبرهن على أن إعادة النظر في التاريخ الإسلامي قد غدا مطلبًا ملحًا، وواجبًا كفائيًّا يقع على عاتق من كان أهلاً للقيام به، ولا يسقط هذا الواجب؛ إلا إذا تحقق القيام به على أرض الواقع؛ إذ ليست الحاجة إلى التثبت من الأخبار وتوثيق النصوص التاريخية الإسلامية بأقل من الحاجة إلى باقي العلوم الإسلامية الأخرى: كالتفسير، والحديث، والفقه.

فالتوعية التاريخية ضرورة ملحة لاكتمال الرؤية السليمة من جهة، والاستفادة من دراسة التاريخ في مجال التربية والقدوة الحسنة من جهة أخرى، لاسيما إذا استحضرنا في أذهاننا هذه الحقيقة التي لا محيص عنها ولا مجال لإنكارها لدى كل منصف، وهي: أن تاريخ الإسلام في عصر الراشدين هو بحق العصر الذهبي في تاريخ الإسلام كله، والذي يمثل التاريخ التطبيقي الصحيح لتعاليمه الكاملة الشاملة عقيدة وشريعة وسلوكًا، وهو مما يوضح الصورة النموذجية والمثال الذي يجب على مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة أن تسعى للوصول إليه.

وإن مما يبعث الأمل في تحقيق هذه التوعية: تلك الدعوات التي تنبعث من هنا وهناك من أناس استشعروا خطورة الأمر وتوفرت فيهم الغيرة الصادقة، فنادوا بضرورة إعادة دراسة التاريخ الإسلامي وفق منهج المحدثين وطريقتهم في التوثيق وإثبات الحقائق، والتحقق من صحة الروايات ونقد الأخبار، مع الحرص على الأصل المتقدم، وهو: مراعاة منزلة الصحابة وعدالتهم، ومن ثمَّ إعادة كتابة التاريخ بناء على هذا الأصل.

يقول العلامة السلفي المحقق الشيخ محب الدين الخطيب -وهو من أول من نادى بذلك رحمه الله تعالى-: "وإذا بدأ المشتغلون بتاريخ الإسلام من أفاضل المسلمين في تمييز الأصيل عن الدخيل من سيرة هؤلاء الأفاضل العظماء؛ فإنهم ستأخذهم الدهشة لما اخترعه إخوان أبي لؤلؤة وتلاميذ عبد الله بن سبأ والمجوس الذين عجزوا عن مقاومة الإسلام وجهًا لوجه في قتال شريف، فادعوا الإسلام كذبًا، ودخلوا قلعته مع جنوده خلسة، وقاتلوهم بسلاح "التَّقِيَّة" بعد أن حولوا مدلولها إلى النفاق، فأدخلوا في الإسلام ما ليس منه، وألصقوا بسيرة رجاله ما لم يكن فيها ولا من سجية أهلها" اهـ من مقدمة "العواصم من القواصم" .

إن الواجب هو التركيز على إبراز تاريخ الجيل الأول من السلف الصالح، والتركيز على مجهودهم الذي قاموا به في تحمل أمانة الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، وأن نعرف لهم قدرهم وفضلهم، ونُعرِّف الناس بمواقفهم وأعمالهم؛ لنحبب إلى شبابنا التأسي والاقتداء بهم، والفخر والاعتزاز بالانتساب إليهم؛ ليرتبط حاضر الأمة بماضيها العريق ذي التاريخ المشرق من الجهاد والدعوة ونشر العلم والعدل بقيادة راشدة قادت الناس إلى مراقي الفلاح في الدنيا والآخرة.

وفي ظل الإجرام الرافضي في تشويه صورة الصحابة ونفث سموم الحقد على خيار الخلق بعد الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- تبرز الحاجة الملحة لمعرفة فضائلهم ومعرفة ما كانوا عليه من علو الهمة وسمو الأخلاق، ومن ثمَّ يحسن الاقتداء بهم.

إنَّ ما يجعل الباحث يشعر بالمرارة ما يراه من بون شاسع بين ما هو مستقر في الأذهان من عدالة الصحابة -رضي الله عنهم- وسلامة معتقدهم واستقامة سلوكهم وكريم أخلاقهم وإيثارهم ما عند الله -تعالى-، وبين ما تُصوِّره الروايات التي نقلها بعض الإخباريين والقصاصين والرواة على أنه الواقع التاريخي.

لقد حدث أن كانت هناك مراكز عداء وحقد ضد الصحابة تتلقف ما كان يحدث من أمور بينهم -رضي الله عنهم- ويضخمونها ويهولونها حتى تؤدي إلى تطاير شرر الفتنة، ولا يزالون وراءها حتى تشتعل، ومِن ثمَّ يعملون جاهدين على توسيعها، مصورين الصحابة وهم يحملون السيوف مطالبين بالدنيا ومتاعها غير آبهين لمبادئ الدين وحدوده.

والواجب علينا أن ندافع عن حماهم، ونذود عن حياضهم، ونصون لهم كرامتهم ومكانتهم -رضي الله عنهم أجمعين-.

ومن أمثلة التهم التي رَمى بها هؤلاء الأفاكون الصحابة -رضي الله عنهم-: ادعاؤهم أن منهم من أعان على مقتل عثمان -رضي الله عنه-، وقد كانت فتنة مقتل عثمان -رضي الله عنه- أعظم هذه الفتن وأولها في الإسلام، فقد ترتب عليها نتائج عقدية وعملية كثيرة حيث نشأت فرق وأفكار لا تزال آثارها السيئة ممتدة تفري في جسد الأمة حتى اليوم، وقد أدى ذلك إلى تباين المواقف والآراء بشأن هذه الفتنة، فأما الذين في قلوبهم مرض فاتبعوا المتشابه منه ابتغاء الفتنة والتضليل، وأما أهل السنة والجماعة فكانت مواقفهم واضحة لا غبش فيها منذ الصدر الأول، فقد بينوا الحق ودرسوا القضية من أوثق الطرق وأوفى المسالك، وحملوا الأمور على أحسن المحامل، في الوقت الذي حاد فيه الكائدون عن الجادة، واستمروا في ترسيخ العداء عبر القرون.

إنَّ من جملة ما شغب به المشغبون زعمهم أن عددًا من الصحابة تواطؤا على مقتل عثمان -رضي الله عنه-، فهل حقًا كان أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- قد مالأ عليه؟ !

يأتينا الجواب من رجل عاصر الحادثة وهو شاهد عيان عليها كان عمره وقتها أربع عشرة سنة، وهو الحسن البصري -رحمه الله- عندما سُئِل: "أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟!". فقال: "لا! كانوا أعلاجًا من أهل مصر" "تاريخ خليفة 192/1 بسند صحيح" . وكذلك الثابت الصحيح عن قيس بن أبي حازم أن الذين قتلوا عثمان ليس فيهم من الصحابة أحد. "كما أخرجه ابن عساكر في "تاريخه"، ترجمة عثمان ص 408 ".

الصفحة السابقة الصفحة التالية