براءة الصحابة الكرام مما رماهم به اللئام
البخاري إبراهيم • المنهج السلفي
لقد ثبت يقينًا أن أحدًا من الصحابة -رضي الله عنهم- لم يرضَ بما حلّ لعثمان فضلاً أن يكون قد أعان على قتله، وأن ما خالف ذلك من روايات فكلها مكذوبة.
قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: "ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة، وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل، وسفلة الأطراف والأراذل". "شرح مسلم" للنووي كتاب "فضائل الصحابة" .
وقال أبو بكر بن العربي -رحمه الله-: "سلوك سبيل الحق أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه ولا قعد عنه... وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم". "العواصم من القواصم 143" وما بعدها .
وقال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان -رضي الله عنه-، بل كلهم كرهه ومقته وسب من فعله... ". "البداية والنهاية" أحداث عام 35 هـ .
ولعل في هذه النقول عمن عاصر الأحداث، وعن أئمة الشأن كافية لمن أراد الحق.
وقد يقع عند البعض أن عَمْرًا بن الحمق كان فيمن شارك في مقتل عثمان -رضي الله عنه- وهذا الخبر لا يصح عنه -رضي الله عنه-، وفي الغالب أن من يقع في هذا الخطأ يكون قد اغتر بما يذكره كثير ممن تناول أحداث هذه الفتنة من المؤرخين القدامى لاسيما المعروفين بالعقيدة السلفية الصحيحة في الصحابة: كابن عساكر، وابن كثير، وابن الأثير، وغيرهم، فقد نص ابن عساكر على أن الثابت هو: أن أحدًا من الصحابة لم يشارك في مقتل عثمان، ثم بعدها بقليل ذكر خبر طعن عمرو ابن الحمق لعثمان تسع طعنات، وصنع مثله ابن كثير وابن الأثير وقبلهم شيخ المؤرخين ابن جرير الطبري، كلهم ينص على براءة الصحابة، ثم يورد خبر ابن الحمق مما يشعر القارئ أن عَمَْرًا بن الحمق ليس من الصحابة، ومن ثمَّ يمكن قبول ما نُسب إليه من طعنه لعثمان؛ إذ كيف يقرر المؤرخ الموثوق به أصلاً ثم يروي ما يناقض هذا الأصل بعده بقليل دون تعليق، حتى لو أسند الخبر؛ فإنه يلزم التعليق في مثل هذا منعًا لما يمكن حصوله من التوهم.
ونختم كلامنا بنقل كلام الأئمة لبيان أصول أهل السنة في مواقفهم من الصحابة وما جرى بينهم:
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "ومن أصول أهل السنة والجماعة: سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-... ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون" "العقيدة الواسطية" .
قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: "كما تقرر الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم -رضي الله عنهم أجمعين-، وما زال يمر بنا ذلك في: الدواوين، والكتب، والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كذب... فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه؛ لتصفو القلوب وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم... فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم وجهاد محّاء، وعبادة ممحصة".
قال الإمام أبو عثمان الصابوني -رحمه الله- في كتابه "عقيدة السلف وأصحاب الحديث": "ويَرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتطهير الألسنة من ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم، والموالاة لكافتهم".
قال الإمام أحمد -رحمه الله-: "ومن الحجة البينة المعروفة: ذكر محاسن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم أجمعين، والكف عن ذكر مساوئهم والخلاف الذي شجر بينهم، فمن سب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو أحدًا منهم أو تـَنقَّصه أو طعن عليهم، أو عرَّض بعيبهم أو عاب أحدًا منهم؛ فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلاً، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة".
ورحم الله عمر بن عبد العزيز عندما قال: "تلك دماء طهر الله منها سيوفنا، فلا نخضب بها ألسنتنا".
وكذلك فإن التعرض لجانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، قال أبو المظفر السمعاني -رحمه الله تعالى-: "التعرض لجانب الصحابة علامة على خذلان فاعله، بل هو بدعة وضلالة".
وبهذا كله يتبين لنا أن الكف عما جرى بين الصحابة مع إحسان الظن بهم هو منهج أهل السنة والجماعة، وأصل من أصولهم العظيمة.