آداب زيارة المسجد النبوي
ياسر عبد التواب • التزكية
وعند مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ بِالْمَدِينَةِ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ وَأَنَّهُ أَتَى أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي كَثِيرُ الْعِيَالِ وَقَدْ أَصَابَتْنَا شِدَّةٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْقُلَ عِيَالِي إِلَى بَعْضِ الرِّيفِ؛ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لا تَفْعَلِ الْزَمِ الْمَدِينَةَ، فَإِنَّا خَرَجْنَا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَظُنُّ أَنَّهُ قَالَ حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ فَقَالَ النَّاسُ: وَاللَّهِ مَا نَحْنُ هَا هُنَا فِي شَيْءٍ وَإِنَّ عِيَالَنَا لَخُلُوفٌ مَا نَأْمَنُ عَلَيْهِمْ! فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: ( مَا هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِكُمْ؟! وَالَّذِي أَحْلِفُ بِهِ لآمُرَنَّ بِنَاقَتِي تُرْحَلُ ثُمَّ لا أَحُلُّ لَهَا عُقْدَةً حَتَّى أَقْدَمَ الْمَدِينَةَ ) وَقَالَ: ( اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَمًا وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا: أَنْ لا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلاحٌ لِقِتَالٍ، وَلا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلا لِعَلْفٍ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنَ الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلا نَقْبٌ إِلا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا ... ).
وعند مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ -رضي الله عنه- قَالَ: أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّهَا حَرَمٌ آمِنٌ )، وعنده عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا ) يُرِيدُ الْمَدِينَةَ.
فلابد من رعاية حرمة المدينة؛ فمن أقام بها فلا يقطع شجرها، ولا يصيد صيدها، وليحفظ حرمتها، وليحذر من إرادة إيذاء أهلها، وليصرف وقته وجوارحه في اقتناص مدة وجوده هناك فيزيد جهده واجتهاده في طاعة الله -تعالى-؛ ليحوز فضل العبادة في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
3- آداب دخول المسجد:
- إذا انتهى الزائر إلى مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سن له أن يقدم رجله اليمنى وأن يقول: "أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ". ثم يقول: "بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك". وهذا الذكر مسنون عند دخول سائر المساجد.
- ثم ليصلِ تحية المسجد، والأفضل أن تكون في الروضة؛ لما في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْمَازِنيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ )، وفيهما عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي )؛ فإن لم يتيسر له ذلك لشدة الزحام ليكن في أي مكان من المسجد، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن حكم الزيادة تأخذ حكم الأصل، فالمسجد الآن بزياداته هو مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وله فضله وفضل العبادة فيه، والعلم عند الله -تعالى-؛ لقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: زاد عمر بن الخطاب في المسجد، أي مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: -أي عمر-: لو زدنا فيه حتى يبلغ الجبانة كان مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ والعلم عند الله -تعالى-.
- ليحرص على أن يصلي الصلوات كلها في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ )، ورواه مسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ( صَلاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ). وعند مسلم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً اشْتَكَتْ شَكْوَى فَقَالَتْ: إِنْ شَفَانِي اللَّهُ لأَخْرُجَنَّ فَلأُصَلِّيَنَّ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَبَرَأَتْ ثُمَّ تَجَهَّزَتْ تُرِيدُ الْخُرُوجَ، فَجَاءَتْ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- تُسَلِّمُ عَلَيْهَا فَأَخْبَرَتْهَا ذَلِكَ، فَقَالَتِ: اجْلِسِي فَكُلِي مَا صَنَعْتِ، وَصَلِّي فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: ( صَلاةٌ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلا مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ ).