الداعية والقرب من الله
أحمد السيد • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله الله، أما بعد؛
فإن قضية القرب من الله قضية مهمة جدًا في حياة الدعاة، وهي المحرك والوقود في معترك الدعوة، وتتجلى مظاهرها في عدة أمور:
1- التقوى:
أ- احفظ الله: فإن ذلك مظهر من مظاهر الإخلاص لله العلي العظيم، الذي من معانيه التوبة الصادقة الدائمة المتكررة، والمحاسبة الجادة المستمرة، والمراقبة الكاملة لله -عز وجل- على كل الأحوال وفي مختلف الظروف: ( يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ) (رواه أحمد الترمذي، وصححه الألباني) .
ولأن غاية الداعية الوصول لقلب من يدعوه، أو يخرج من أزمة ومشكلة أو أن يرزقه الله الصبر إن كان في محنة، والتقوى تساعد على ذلك، وهي مخرج من الأزمات والمشكلات -إن وجدت في طريق الداعية-، وأيضًا قد يجد الداعية أثر ذلك في دعوته فبعد فترة من الزمن إذا بالمدعو يتغير ويفتح قلبه ويصارح ويتقدم للأمام، وكل ذلك ببركة التقوى.
كما يُرزق الداعية الكلام الطيب المؤثر والمعاملة الحسنة مما يجعله يصل للقلوب بمختلف مستوياتها، وذلك كله من حيث لا يحتسب.
عن أبي ذر ومعاذ بن جبل -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
قال الحسن -رحمه الله-: "ما ضربت ببصري، ولا نطقت بلساني، ولا بطشت بيدي، ولا نهضت على قدمي، حتى أنظر أعلى طاعة أم على معصية؛ فإن كانت على طاعة تقدمت، وإن كانت معصية تأخرت".
وقال ابن مسعود -رضي الله عنه- في قوله -تعالى-: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (آل عمران:102) : "أن يطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يكفر".
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: " ليس تقوى الله بصيام النهار ولا بقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم وأداء ما افترض الله؛ فمن رُزِق بعد ذلك خيرًا فهو من خير إلى خير".
ب- لتنظر نفس ما قدمت لغدٍ: المؤمن الداعية إلى الله دائم الحساب لنفسه بسبب تقواه وخوفه من الجليل فينظر ما قدم لغدٍ، يردد قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (الحشر:18) .
لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال... أمن الصالحات التي تنجيه أم من السيئات التي توبقه، فهو -أعني الداعية- أينما توجه وحيثما دارت به الأيام ثابت على مبدأ التقوى الذي هو زاده على الطريق، وقد تقيد بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ) فصار شعاره ودليله، وأصبح نبراسًا له وزادًا على الطريق.
خــل الـذنـوب صـغـيـرها وكـبـيـرها فهـو التقى
واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يـرى
لا تـحـقــرن صـغـيـرة إن الجـبـال مـن الحـصـى
قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ) (الطلاق:2) ، ومن كان هذا منهجه وديدنه تكفل الباري -عز وجل- بنصرته وأن يكون معه؛ ومن كان الحق معه فمن يهزمه؟! ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ) (النحل:128) ، فصار المولى العظيم وليهم ( وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ) (الجاثية:19) ، وأحبهم ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:4) .
ومن أحبه الله؛ كان عينه التي يبصر بها، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ووعده الرحمن الرحيم أن يُحقق له ما تمنى، وأن يدخله الجنة التي عمل وتعب وسهر الليالي لأجل عبور الصراط إليها ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) (القلم:34) .
وكذلك جعل الناس تحبه، يحبه أهل السماء وأهل الأرض؛ كل ذلك لحب الله له، فما عليك بعدها إلا أن تتمثل نصيحة الشاعر:
تـزود مـن التـقــوى فـإنـك لا تـدري إذا جــنَّ لـيـل هـل تـعـيـش إلـى الـفـجـر
فكم من صحيح مات من غير علة وكـم من سقيم عاش حينًا حينـًا من الدهر
2- الدعاء:
قال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّعاءُ هُوَ العِبادَةُ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) ، وصدق الشافعي -رحمه الله- حين قال:
أتهزأ بالدعاء وتزدريه وما تدري بما صنع الدعاء
سهام الليل لا تخطئ ولكـن لها أمد وللأمد انقضاء
لقد نسينا المسبِّب وتعاملنا مع الأسباب فقط فلم تأتِ النتائج كما نحب؛ فتعلمنا أن: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (الأنفال:17) .
وكم من مرات ظن البعض أنه يستطيع بما يحفظ أن يقنع فلانـًا من الناس فإذا به يُخلف ظنه ولا يستجيب له ويُحال بينه وبين الوصول إلى قلبه، وعند هذه اللحظة يتذكر الداعي ضعفه وقلة حيلته، وذله وحقارته، وأنه ما هو إلا ستار لقدر الله، وأن الله جعله سببًا في توصيل دعوته إلى الناس، فيهرع إلى الله ويطلب منه باستكانة وضعف أن يفتح له مغاليق القلوب بحوله -تعالى- وقوته؛ فعلينا أن نلزم الدعاء طيلة حياتنا، ونلزمه على الخصوص بعد أن وقع اختيارنا على من ندعوه.
علينا أن ندعو الله دعاء الذليل الخائف، ونلح عليه في الدعاء أن يفتح علينا ويفتح بنا، وأن نكون سببًا في توصيل الخير إلى الناس، وأن ندعو لمن سندعوه باسمه عسى الله أن يفتح قلبه علينا.
إن الدعاء هو سر النجاح؛ فمن عرفه وعمل به فقد فاز وانفتحت أمامه القلوب؛ لذلك فإن مرحلة الدعاء مرحلة أساسية نضعها بمفردها حتى لا ننساها في طريق الدعوة، وهي لا تتوقف باستجابة المدعو، بل تستمر حتى موتي وموتك.
علينا أن ندعو في البداية أن ييسر الله لنا من نختاره، ثم ندعو بعد أن وقع اختيارنا بأن ييسر الله لنا ويفتح علينا في دعوة هذا المسلم، ثم ندعو الله بعد ذلك أن يثبتنا وإياه على طريق الحق حتى الموت.
إن الدعاء يجعلنا دائمًا نردد: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (الأنفال:17) .
ولا يجعلنا ندَّعي بأنه: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (القصص:78) .