شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات مع رحلة المغفرة (خطبة مقترحة)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال الله -تعالى-: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ . فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (آل عمران:96-97) ، وقال -تعالى-: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) .

مقدمة وتمهيد:

أيها المسلمون... بالأمس القريب رحل عنا رمضان، وها نحن ننتقل من طاعة إلى طاعة، ومن ركن من أركان الدين إلى غيره، وتتوالى مواسم الخيرات محفوفة بفضل الزمان، وشرف المكان، وتأتي أيام الحج إلى بيت الله -تعالى-، فتهفو أفئدة المسلمين إلى البيت الحرام، والقِبلة التي يتجهون إليها كل يوم في صلاتهم ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) (البقرة:144) ، كلهم يرجو الرحلة إليه، باذلين من أجل ذلك الأموال والأبدان، يرجون رحمة الله، وقد اجتمعوا عند بيته وأرضه المقدسة ليباهي الله -تعالى- بهم ملائكته، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنّ الله -تَعَالَى- يُباهي ملائِكتَهُ عَشِيّةَ عَرَفَةَ بأَهْلِ عَرَفَةَ، يَقولُ: انْظرُوا إِلَى عِبادِي أتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ) (رواه أحمد الطبراني، وصححه الألباني) ؛ فما أعظمها من رحلة تهون لها النفوس وتُبذل من أجلها الأموال!

ولذا؛ فإن حديثنا اليوم يدور حول هذه الرحلة، وهذه الفريضة العظيمة من خلال وقفات وتأملات في بعض ما يكون منها.

فضل الحج والعمرة

الحج من أفضل الأعمال:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: ( إِيمَانٌ بِاللهِ )، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ) قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ( حَجٌّ مَبْرُورٌ ) (متفق عليه) ، والحج المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، وقال الحسن: أن يرجع زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة.

الحج جهاد العاجز:

عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( جِهَادُ الْكَبِيرِ، وَالصَّغِيرِ، وَالضَّعِيفِ، وَالْمَرْأَةِ: الْحَجُّ، وَالْعُمْرَةُ ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) .

الحج يمحق الذنوب:

عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) .

وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا، تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ، خَبَثَ الْحَدِيدِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

الحج المبرور ثوابه الجنة:

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلا الْجَنَّةُ ) (متفق عليه) .

وقفات وعظات

شد الرحال وهجر المال والعيال:

- قال الله -تعالى-: ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) (الحج:27) ، فيقول العبد بلسان حاله ومقاله: "لبيك اللهم لبيك... ".

الميقات والمحظورات، وترك المباحات:

التجرد من الدنيا: "الثياب والعطور والنساء والصيد..." مع التخلق بالأخلاق الطيبة، قال -تعالى-: ( الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ) (البقرة:197) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ) (متفق عليه) .

ملابس الإحرام ودرس في الزهد:

ثياب تشبه ثياب الموتى:

قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا ) (متفق عليه) .

عدم التفاضل:

قال الله -تعالى-: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (الحجرات:13) .

التلبية وعبودية التوحيد:

قال جابر -رضي الله عنه-: فَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالتَّوْحِيدِ: ( لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ... ) (رواه مسلم) .

البيت المعمور:

لماذا كان البيت العتيق هو أعظم البيوت؟!

بناه الملائكة والأنبياء: عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "بعث الله جبريل -عليه السلام- إلى آدم -عليه السلام- فأمره ببناء البيت، فبناه آدم ثم أمره بالطواف به، وقيل له: أنت أول الناس، وهذا أول بيت وضع للناس" (تفسير ابن كثير) .

قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (الحج:26) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:127) .

أول بيت للعبادة في الأرض:

قال -تعالى-: ( إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ ) (آل عمران:96) .

اختار الله مكانه:

قال الله -تعالى-: ( وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِِ ) (الحج:26) ، وقال -تعالى-: ( وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) (البقرة:125) .

تعلق القلوب به أكثر من غيره:

الصفحة التالية