الطريق إلى الولد الصالح 7- مدة الرضاع
عصام حسنين • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمن الخطوات المهمة على الطريق إلى الولد الصالح: الاهتمام بأمر رضاعه؛ لأنه الأساس لما وراءه من تنشئة وتربية، فهو ينشز العظم، وينبت اللحم، وبداية للتربية النفسية والاجتماعية.
ولكي تتم هذه المرحلة على أكمل وجه أداءً للمسئولية التي جعلها الله -تعالى- في عنق الوالدين كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) (متفق عليه) ؛ نسوق هذه الإرشادات من نور وهداية قوله -تعالى-: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (البقرة:233) .
ذهب جمهور العلماء إلى أن رضاع الطفل لا يجب على أمه؛ إلا إذا تعينت مرضعًا بأن كان لا يقبل غير ثديها أو كان الوالد عاجزًا عن استئجار المرضعة، أو يقدر لكن لم يجدها.
واستدلوا على الاستحباب بقوله -تعالى-: ( وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ) (الطلاق:6) ، وبلغ من حد اهتمام الإسلام برضاع الطفل أن أخَّر إقامة الحد على الأم الزانية إلى حين انتهاء مدة رضاعه منها كما في قصة الغامدية.
وجعل وعيدًا شديدًا لمن تمتنع من رضاع ولدها، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلاَنِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ... ) الحديث... وفيه: ( ثُمَّ انْطَلَقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِنِسَاءٍ تَنْهَشُ ثُدِيَّهُنَّ الْحَيَّاتُ، قُلْتُ: مَا بَالُ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ يَمْنَعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ أَلْبَانَهُنَّ ) (رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وصححه الألباني) .
وبلغ من درجة اهتمام الإسلام بالطفل أنه في حالة الطلاق يكون في حضانة أمه؛ لأنه في حاجة مادية وعاطفية لا تكون إلا من أمه، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني) ؛ لأن الأم أشفق وأقدر على تربيته في هذا السن إلا أن تتزوج؛ لأنها حينئذ ستنشغل عنه بالزواج، ولا يتوفر للطفل جو المودة والمحبة والعطف الذي يحتاجه.
قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "الأم أصلح من الأب؛ لأنها أرفق بالصغير وأعرف بتربيته وحمله، وتنويمه وأصبر عليه وأرحم به؛ فهي أقدر وأرحم وأصبر في هذا الوضع، فتعينت في حق الطفل غير المميز في الشرع" اهـ نقلاً عن "توضيح الأحكام 6/42" .
وعليه؛ فلتتقِ الأم ربها -تعالى- ولا تترك طفلاً في سن الرضاع لراعية أطفال أو خادمة في بيت أو حضانة من أجل عمل أو غيره.
- كانت وصفة أحد الأطباء الأمريكيين لكل أم تأتي بطفلها المريض إليه: "العلاج هو العودة إلى الأم الحقيقية"!
- ليست وظيفة الأم في هذه المدة قاصرة على تغذيته باللبن أو تغيير ملابسه وتنظيفه، بل هي وظيفة لا يقوم بها أحد إلا الأم تتعبد بها لربها -تعالى- بالنية الصالحة ترضع ولدها من خلالها الرحمة والعطف كما روي عن عمرو بن عبد الله أنه قال لامرأته وهي ترضع ابنًا لها: "لا يكونن رضاعك لولدك كرضاع البهيمة ولدها، قد عطفت عليه من الرحمة بالرحم، ولكن أرضعيه تتوخين ابتغاء ثواب الله، وأن يحيا برضاعك خلق عسى أن يوحِّد الله ويعبده" اهـ بتصرف من "عودة الحجاب 2/515 وما بعدها" .
- والأحسن ألا يرضعه إلا أمه؛ لأنه أنفع وأمرأ، وقد يكون واجبًا عليها كما تقدم.
- وإذا أرضعته غيرها، فيُستحب أن يسترضع له المرضعة الحسنة الخَلق والخُلُق؛ لأن الرضاع يغيِّر الطباع، ويؤثر في الخلق والذكاء، وقد أثبتت الدراسات الطبية أن لبن الأم يحتوي على بعض أنواع البروتينات التي تحمل الصفات الوراثية، ومنه تنتقل إلى الرضيع كثير من هذه الصفات، ومن ها هنا سبق وأن ذكرنا أهمية اختيار الزوجة الصالحة النجيبة، وكذا استرضاع المرضعة الصالحة.
- وكره العلماء استرضاع الفاجرة والكافرة سيئة الخلق؛ لئلا يسري إلى الولد؛ لأن العادة جارية أن الرضيع يغلب عليه أخلاق المرضعة من خير أو شر.
- ورزق الوالدة والمرضعة على والد الطفل بما جرت به العادة من غير إسراف ولا إقتار؛ لقوله -تعالى-: ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ).
قال الغزالي -رحمه الله-: "ينبغي أن يراقب ولده في أول أمره، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، فإذا وقع عليه الصبي انعجنت طينته من الخبيث؛ فيميل بطبعه إلى ما يناسب الخبائث... " اهـ من "الإحياء 2/71 " ، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ إِنَّهُ لاَ يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلاَّ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
- الأكمل والأحسن أن تكون الرضاعة لمدة عامين، كما قال الله -تعالى-: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ).