الطريق إلى الولد الصالح 7- مدة الرضاع
عصام حسنين • المرأة والأسرة
قال ابن كثير -رحمه الله-: "هذا إرشاد من الله -تعالى- للوالدات: أن يُرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال -تعالى-: ( لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ )... ولا يُرضع بعد الحولين؛ لأنه ربما أضر الولد إما في بدنه أو عقله، فعن علقمة أنه رأى امرأة ترضع بعد الحولين فقال: "لا ترضعيه" اهـ من "التفسير 1/284" .
- وعلى الأم ألا تدفع ولدها لأبيه لتضره بتربيته وليس لها دفعه إذا ولدته حتى تسقيه اللبأ -وهو اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا- ثم بعد هذا لها دفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مُضارة لأبيه فلا يحل لها ذلك، وكذلك ليس للوالد أن ينزع الولد من أمه إضرارًا بها، قاله مجاهد وغير واحد تفسيرًا لقوله -تعالى-: ( لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ).
- ولا بأس بفطام الطفل قبل الحولين؛ لقوله -تعالى-: ( فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ).
قال ابن كثير -رحمه الله-: "فإن اتفقا والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيؤْخَذُ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر، قاله الثوري وغيره.
وهذا احتياط للطفل، وإلزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في تربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحهما ويصلحه... وختم -تعالى- الآية مخوفًا عباده، وحاضًا لهم على مراقبته -تعالى- في جميع ما أمرهم به: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) اهـ بتصرف "1/284" .
- وإذا نظرنا فيما جعله الله -تعالى- حقًا للطفل؛ وجدناه مصلحة كله -والحمد لله-، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل:90) .
- وهذا الذي أنزله الله -تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلم- منذ أربعة عشر قرنًا نادت به المنظمات الدولية والهيئات الصحية العالمية حديثًا حيث أوصت بأنه يجب على كل أم أن تقوم بإرضاع طفلها؛ لأن لبن الأم أفضل!
- وهذا من آيات الله -تعالى- التي يُظهر حكمتها لعباده حتى يتبين لهم أنه الحق، قال -تعالى-: ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (فصلت:53) .
ولكي تتم عملية الرضاعة على أحسن وجه، وتؤتي أحسن ثمارها؛ فعلى الأم:
- أن تُرضع ولدها في وضع مناسب، وأن ترضعه في مكانه حتى لا يتعود على الحمل والالتصاق بالأم ، وهذا يضيع كثيرًا من حقوق الزوجين وباقي الأولاد، كما أنه يُعوِّد الولد الاتكالية والخوف من الآخرين.
- وعليها أن تتوخى رضاعه، ولا تنتظر به حتى يبكي؛ لئلا يتخذ البكاء وسيلة لإشباع رغباته، ومن ثمَّ يتعلم العناد، ويتطور معه الأمر حتى ينشأ ضعيفًا اتكاليًّا معتمدًا على غيره في قضاء حاجاته.
- ويعرف جوع الرضيع بتحريك رأسه يمينًا وشمالاً أو فتح فمه أو إخراج لسانه، أو وضع أصبعه في فمه أو قيامه ببعض الأصوات الهادئة.
- وعليها أن تبتعد عن الأسباب التي تؤثر على لبنها بالسلب: كالتوترات النفسية والعصبية، وعدم أخذ قدر كافٍ من الراحة، وعدم التغذية المناسبة وقلة شرب السوائل والإكثار من شرب الشاي والقهوة.
- وأن يكون نوم طفلها بجوارها؛ فقد أثبتت الأبحاث أن الطفل يشارك أمه الشعور والأحاسيس منذ ولادته ويمكنه أن يميز صوتها، ويشعر به ويميل إليها.
- وعليها أن تداعبه منذ يومه الأول؛ ليشعر بالدفء والأمان.
- وعليها بذكر الله -تعالى- وتلاوة القرآن وإسماعه ذلك، وتعويذه بالرقى والمعوذات من القرآن والسنة.
- وبعد ستة أشهر من الولادة تطعمه طعامًا إضافيًّا من ماء وعصائر تدريجيًّا مع الاستمرار في الرضاعة حتى سنتين ما دام الطفل والأم في صحة جيدة.
- وإن أراد الوالدان فطام الطفل قبل سنتين فيكون عن تشاور كما أمر الله -تعالى- إذا وجدا المصلحة في ذلك.
- وأن يكون الفطام تدريجيًّا، ولا يفرق بين الولد وأمه، ويكون رويدًا رويدًا، وبرفق بعيدًا عن وسائل العنف حتى تأمن الآثار السلبية على نفسية الطفل.
- وعلى الأم الاهتمام بصلاتها، ومراعاة حق زوجها، ولتحذر أن يشعر زوجها شعورًا سيئًا أن الولد أخذها منه، أو أن فترة قبل الإنجاب أفضل من بعد ذلك، ولتعلم أن معظم مشاكل البيوت نتيجة هذا الإهمال من الزوجة الأم لزوجها! وعلاج ذلك سهل -إن شاء الله- بقليل من التنظيم وإعطاء كل ذي حق حقه.
- ولتعلم أن بول الصبي الذي لم يأكل إن أصاب ثيابها فإنها تنضحه بالماء -تغمره- وإن أكل فيجب أن يُغسل "مع عَصر".
وأما البنت فيغسل بكل حال سواء أكلت أم لم تأكل.
وبعد؛ فليحمد الله -تعالى- كل منا على ما حباه الله -تعالى- من نعم من جعل الرحمة في قلب والديه، يعطفان عليه ويسهران على شأنه، ولولا ذلك؛ لمات، وأنه -تعالى- أوجب له حق الرضاع الذي لا رزق نافع له سواه.
فالحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، حمدًا يوافي نعمه ويدافع نقمه، ويكافئ مزيده.