دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم
ياسر عبد ربه • بحوث شرعية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
جمع القرآن الكريم:
المراد بجمع القرآن: يطلق جمع القرآن الكريم ويراد به أحد ثلاثة أنواع:
الأول: جمعه بمعنى حفظه في الصدور واستظهاره.
الثاني: جمعه بمعنى كتابته وتدوينه كله حروفـًا وكلمات، وآيات وسورًا.
الثالث: جمعه بمعنى تسجيله تسجيلا صوتيًا.
ولكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة تاريخ وخصائص ومزايا، ولذا فسنتناول كل نوع على حدة.
النوع الأول: جمعه بمعنى "حفظه في الصدور واستظهاره":
الدليل: ويشهد لهذا النوع قوله -تعالى-: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ) (القيامة:16-19) .
فالمراد بالجمع هنا: الحفظ في الصدور، ويفسره حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً كَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تَعَالَى-: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ) قَالَ: جَمْعَهُ فِي صَدْرِكَ ثُمَّ تَقْرَأُهُ. ( فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ) قَالَ: فَاسْتَمِعْ وَأَنْصِتْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- كَمَا أَقْرَأَهُ" (متفق عليه) .
حكمه: حفظ القرآن كله واجب على الأمة، بحيث يحفظه عدد كثير يثبت به التواتر وإلا أثِمت الأمة كلها، وليس هذا لكتاب غير القرآن، وأما الأفراد فيجب على كل فرد أن يحفظ من القرآن ما تقوم به صلاته.
فضله: لم يترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمرًا فيه حث على حفظ القرآن إلا وسلكه وأمر به؛ فكان يفاضل بين أصحابه بحفظ القرآن، ويعقد الراية لأكثرهم حفظًا للقرآن، وإذا بعث بعثـًا جعل إمامهم في صلاتهم أكثرهم قراءة للقرآن، ويقدم للحد في القبر أكثرهم أخذًا للقرآن، ويزوِّج الرجل المرأة ويمهرها ما مع الرجل من القرآن، فضلا عن الأحاديث الكثيرة الداعية لحفظ القرآن وتعلمه وتعليمه.
حفظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- للقرآن الكريم:
إدراكًا من الرسول -صلى الله عليه وسلم- للأمانة الكبرى التي كُلف بها، وهي أن يبلغ الناس القرآن: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (الأنعام:19) ، وإدراكًا منه -عليه الصلاة والسلام- أن تبليغ القرآن يجب أن يكون كما سمعه بلا زيادة ولا نقصان، ولا استبدال لحرف بحرف، أو حركة بحركة؛ لذا فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يشعر بحرج شديد، وخوف عظيم أن يَنسى شيئًا من القرآن، مما جعله يحرك لسانه بالقرآن لحظة نزول الوحي مع شدة وطأة الوحي، وما يعانيه من الجهد والكرب عند نزوله، وما زال -صلى الله عليه وسلم- كذلك حتى نزل عليه قوله -تعالى-: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ).
وقال -سبحانه-: ( وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ) (طه:114) ، فكان -صلى الله عليه وسلم- بعد هذا إذا أتاه الوحي أطرق، فإذا ذهب جبريل وجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- القرآن مجموعًا في صدره كما وعده الله.
وقد حفظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- القرآن كله، وحفظه أصحابه، وكان جبريل يعارضه إياه في كل عام مرة، في شهر رمضان، وعارضه إياه في العام الذي توفي فيه مرتين، كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلاَ أُرَاهُ إِلاَّ حَضَرَ أَجَلِي ) (متفق عليه)، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقوم بالقرآن ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار حتى كادت أن تتشقق قدماه.
حفظ الصحابة -رضي الله عنهم- للقرآن الكريم:
اشتد التنافس بين الصحابة -رضي الله عنهم- في حفظ القرآن الكريم وتلاوته وتدبره، وتسابقوا إلى مدارسته وتفسيره والعمل به، وكانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، وكانوا يهجرون لذيذ المنام ودفء الفراش، ويؤثرون قيام الليل والتهجد بالقرآن، حتى كان يسمع لبيوتهم دوي كدوي النحل لتلاوتهم القرآن.
وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحثهم على ذلك، ويحرص على سماع تلاوتهم، فقد قال لأبي موسى الأشعري: ( لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ ) (رواه مسلم) .
واستمع لتلاوة سالم مولى أبي حذيفة --رضي الله عنهما- فقال له: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني) .
وقال لابن مسعود -رضي الله عنه-: ( اقْرَأْ عَلَيَّ ). قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: ( فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ). فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا ) قَالَ: ( أَمْسِكْ ). فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ " (متفق عليه) .
وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنِّي لأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالْقُرْآنِ حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ ) (متفق عليه) .
والأخبار الكثيرة تشهد على عناية الصحابة -رضي الله عنهم- بالقرآن الكريم وتلاوته، وحفظه، وعلى حثِّ الرسول -عليه الصلاة والسلام- لأصحابه على ذلك.