دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم
ياسر عبد ربه • بحوث شرعية
فلا عجب أن يكثر عدد حفاظ القرآن من الصحابة، إذا حفظه في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- الجم الغفير من الصحابة -رضي الله عنهم-.
فمن المهاجرين الذين حفظوا القرآن كله: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وابن مسعود، وحذيفة، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن السائب، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة -رضي الله عنهم أجمعين-.
ومن الأنصار: عبادة بن الصامت، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وفضالة بن عبيدة، ومسلمة بن مخلد، وأبو الدرداء، وأنس بن مالك، وأبو زيد بن السكن -رضي الله عنهم أجمعين-.
شبهة وجواب:
روى البخاري في صحيحه ثلاثة أحاديث:
الأول: عن قتادة قال: " سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رضي الله عنه- مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ " (رواه البخاري) .
الثاني: عن أنس بن مالك قال: " مَاتَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ " (رواه البخاري) .
الثالث: عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( خُذُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -فَبَدَأَ بِهِ-، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ) (رواه البخاري) .
وقد يستدل بهذه الأحاديث على أن الذين يحفظون القرآن هم: عبد الله بن مسعود، وسالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو زيد بن السكن، وأبو الدرداء.
وهذا يخالف ما هو معلوم أن الذين يحفظون القرآن من الصحابة جم غفير وليس محصورًا بهذا العدد.
والجواب عن هذا الإشكال من وجوه:
الأول: أنه لا يراد بهذه الأحاديث الحصر وإنما يراد به ضرب المثل، ويشهد لهذا أن أنسًا نفسه ذكر في حديث: "أبي بن كعب"، وفي حديث آخر: "أبا الدرداء"؛ فلو كان المراد الحصر لاتفقت الأسماء في الحديثين.
الثاني: أن المراد بالجمع الكتابة لا الحفظ.
الثالث: أن المراد بالجمع حفظه بوجوه القراءات كلها.
الرابع: أن المراد بالجمع تلقيه كله من فم الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
الخامس: أن المراد أنهم هم الذين عرضوه على النبي -صلى الله عليه وسلم- واتصلت بنا أسانيدهم، وأما من حفظه ولم يتصل بنا سنده فكثير.
قال المازري -رحمه الله تعالى-: "وقد تمسك بقول أنس هذا الجماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه، فإنا لا نسلم حمله على ظاهره، سلمناه، ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه، لكن لا يلزم من كون كل من الجم الغفير لم يحفظه كله ألا يكون حفظ مجموعه الجم الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه، بل إذا حفظ الكل الكل ولو على التوزيع كفى".
حفظ التابعين ومن بعدهم -رحمهم الله تعالى- للقرآن الكريم:
مر بنا أن الصحابة -رضي الله عنهم- انتشروا في الآفاق الإسلامية والبلدان المفتوحة يُعلِّمون الناس أمور دينهم، ويعقدون حلق التعليم والتدريس في مساجد تلك البلدان، وأقبل عليهم كثير من الناس يتحلقون حولهم، ويتلقون العلم منهم، وصار لبعض هذه المدارس شهرة كبيرة حملت كثيرًا من التابعين على الرحلة إليها، وتلقي العلم من أهلها، كمدرسة ابن مسعود -رضي الله عنه- في الكوفة، ومدرسة أبي بن كعب -رضي الله عنه- في المدينة، ومدرسة ابن عباس -رضي الله عنهما- في مكة، وغيرها من مدارس الصحابة -رضي الله عنهم-.
وكان الصحابة يعلِّمونهم القرآن الكريم ويحفظونهم إياه، ويفسرون لهم معانيه، ويبينون لهم أحكامه، وقد أقبل التابعون على هذه المدارس، فكثر حفاظ القرآن الكريم، ولم يقتصروا على تلاوته، بل حفظوا أوجه قراءته، واشتهر عدد كبير من الحفاظ بالقراءة والرواية.
وتجرد بعض التابعين -رحمهم الله تعالى- للعناية بضبط القراءات وإتقانها، ووضع القواعد لها والأصول حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم.
حفظ القرآن الكريم في العصر الحديث:
أما في العصور الحديثة فما زالت المسيرة -والحمد لله- مستمرة، يحفظ المسلمون القرآن في صدورهم مع تكالب الأحوال على المسلمين، واضطراب المعيشة، ومغريات الحضارة، وتوافر الموانع، وانحسار الدوافع، وما زلنا نرى كثرة حفاظ القرآن الكريم، ونجد إقبالاً لا يخطر ببال، ولا يحلم بمثله أهل كتاب.
فقد انتشرت مدارس تحفيظ القرآن الكريم العديدة، وأنشئت معاهد للقراءات وكليات القرآن في العديد من الدول الإسلامية -والحمد لله-.
خصائص جمع القرآن بمعنى حفظه في الصدور:
ولهذا النوع من الجمع مزايا وخصائص، منها:
- أن جمع القرآن بمعنى حفظه هو أول علم نشأ من علوم القرآن الكريم، وذلك أنه حين نزل الوحي على الرسول -صلى الله عليه وسلم- في غار حراء، وجرى ما جرى، تلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ما نَزل عليه من القرآن على خديجة، وذلك من حفظه، فهو أول علم نشأ من علوم القرآن.
- أنه دائم لا ينقطع- إن شاء الله-، فقد حفظ الرسول -صلى الله عليه وسلم- القرآن، وحفظه أصحابه والتابعون ومن بعدهم، وما زال المسلمون يحفظونه إلى أن يأذن الله برفعه؛ بخلاف جمعه بمعنى كتابته فقد مر بثلاث مراحل، آخرها في عهد عثمان -رضي الله عنه-.
- أن الحفظ في الصدور خاص بالقرآن، وليس هناك كتاب يحفظه أهله غير القرآن.
- أنه يجب على كل مسلم أن يحفظ من القرآن ما يؤدي به الصلوات بخلاف جمعه بمعنى كتابته وتدوينه، فلا يجب على كل مسلم.
- الوعيد لمن حفظ شيئًا من القرآن ثم نسيه.
تدوين القرآن الكريم
من أنواع حفظ الصحابة والتابعين لكتاب الله -تبارك وتعالى- بعد حفظه في صدروهم -رضي الله عنهم- جمعه بمعنى كتابته وتدوينه:
جُمع القرآن الكريم بهذا المعنى ثلاث مرات:
- الجمع الأول: في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-.