شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم

ياسر عبد ربه • بحوث شرعية

وفقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنا اليقينية بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف ثقة عن ثقة وإمامًا عن إمام، وسواء وجدت هذه المصاحف أو فقدت فإنَّا على يقين تام لا يزاوله شك ولا يعتريه ريب بسلامة هذه المصاحف من الزيادة أو النقصان، وقد اعترف بذلك غير المسلمين من العلماء المحققين.

يقول المستشرق موير: "إنَّ المصحف الذي جمعه عثمان قد تواتر انتقاله من يد ليد حتى وصل إلينا بدون أي تحريف، ولقد حفظ بعناية شديدة بحيث لم يطرأ عليه أي تغيير يُذكر، بل نستطيع أن نقول: إنه لم يطرأ عليه أي تغيير على الإطلاق في النسخ التي لا حصر لها، والمتداولة في البلاد الإسلامية الواسعة، فلم يوجد إلا قرآن واحد لجميع الفرق الإسلامية المتنازعة، وهذا الاستعمال الإجماعي لنفس النص المقبول من الجميع حتى اليوم يُعدّ أكبر حجة ودليل على صحة النص المنزل الموجود معنا".

من طرق جمع القرآن:

من الطرق لجمع كتاب الله بعد جمعه في صدور المؤمنين، وجمعه وتدوينه يأتي النوع الثالث:

جمعه بمعنى تسجيله صوتيًا:

من المعلوم أنَّ للتلاوة أحكامًا ينبغي أن يأخذ بها تالي القرآن الكريم: كالقلقلة، والرَّوْمِ، والإشْمَامِ، والإخفَاء، والإدْغَامِ، والإقلاب، والإظْهارِ، ونحو ذلك، وليس من السهل بل قد تتعذر كتابة مثل هذا.

ولهذا قرر العلماء -رحمهم الله تعالى- أنه لا يصح التعويل على المصاحف وحدها، بل لابُدَّ من التلقِّي عن حافظٍ متقنٍ، وكانوا يقولون: "من أعظم البَليَّة تشييخ الصحيفة "، ويقولون: "لا تأخذوا القرآن من مصحفي، ولا العلم من صحفيّ "، وهو الذي يُعَلِّمُ الناس وينظر إلى رسم المصحف، وكان الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: "من تفقه من بطون الكتب ضَيَّعَ الأحكام".

بل إنَّ أعلام حُفَّاظ القرآن يُميزون الحفظ بالتلقي، فهذا ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "والله لقد أخذت مِنْ في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعًا وسبعين سورة"، ويبين عمَّن أخذ باقيه فيقول في رواية أخرى: "وأخذتُ بقية القرآن عن أصحابه"، ولإدراكه -رضي الله عنه- مكانة التلقي بالمشافهة كان إذا سُئل عن سورة لم يكن تلقاها عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صرَّح لهم بذلك ودَلَّهم على مَن تلقاها بالمشافهة عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فعن مَعْدِ يَكْرِبَ قال: "أتينا عبد الله، فسألناه أن يقرأ: (طسم) المائتين، فقال: ما هي معي، ولكن عليكم مَنْ أخذها مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خبَّاب بن الأرت، قال: فأتينا خباب بن الأرت، فقرأها علينا".

وما قاله ابن مسعود -رضي الله عنه- وغيره من أعلام الحفاظ في وجوب التلقي للقرآن مشافهة لم يبتدعوه من عند أنفسهم، وإنما أخذوه من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه يتعلم القرآن من جبريل -عليه السلام- ويُشافهه به مشافهة، ويُعارضه القرآن في كل عام في شهر رمضان، وعارضه عام وفاته بالقرآن مرتين، والصلوات الخمس يُجْهَرُ في ثلاث منها، وكذا في صلاة الجمعة، والاستسقاء، والخسوف، والكسوف، والتراويح، والعيدين، وفي هذا إشارة إلى تعلم الناس للتلاوة الصحيحة في الصلاة الجهرية ثم تطبيقها في الصلاة السرية.

وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يبعث القراء إلى مَن يدخل في الإسلام لتعليمهم التلاوة، وكان بإمكانه -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب لهم، واقتدى بسنته من بعده الخلفاء الراشدون، فأرسلوا إلى أهل البلدان المفتوحة قُرّاءً يعلمونهم القرآن.

ولما نسخ عثمان المصاحف أرسل مع كل مصحف قارئًا يُعَلم الناس عليه؛ ولا شك أنَّ هذا دليل قاطع على أن من أحكام القراءة ما لا يمكن إتقانه إلا بالتلقي الشفهي، ولم يكن من وسيلة لتحقيق ذلك إلا عن طريق القرّاء، وقد وجدت في العصر الحديث وسائل وآلات تسجل الصوت، ثم تعيده.

ولا شك أنَّ هذه الآلات، والاستفادة منها في نشر القرآن الكريم وبثه في العالم الإسلامي؛ خاصة في البلدان التي تفتقد المُعَلِّم الضابط، من خير الوسائل لحفظه وتعليمه.

وقد أدرك هذا الأمر بعضُ الغيورين على الإسلام والحريصين على نشره، فتداعوا لجمع القرآن في أشرطة صوتية كما جُمِعَ على الورق في الصحف.

وتبنَّت الجمعَ الجمعيةُ العامة للمحافظة على القرآن الكريم بمصر، وكان ذلك سنة 1379هـ باقتراح من رئيسها الأستاذ "لبيب السعيد"، وقد اتفقوا على تسمية المشروع بـ"المصحف المرتل" أو "الجمع الصوتي".

نسأل الله أن ينعم على الأمة بحفظ كتاب ربها، وصلى الله على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة