دفع الشبهات حول جمع القرآن الكريم
ياسر عبد ربه • بحوث شرعية
وقد دافع أبو بكر الأنباري عن اختيار زيد بقول: "ولم يكن الاختيار لزيد.. إلا أن زيدًا كان أحفظ للقرآن من عبد الله، إذ وعاه كله ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيٌّ، ولا ينبغي أن يظنَّ جاهل أنَّ في هذا طعنًا على عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، لأن زيدًا إذ كان أحفظ للقرآن منه فليس ذلك موجبًا لتقديمه عليه، لأن أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كان زيد أحفظ منهما للقرآن، وليس هو خيرًا منهما، ولا مساويًا لهما في الفضائل والمناقب، وما بدا عن عبد الله بن مسعود من نكير فشيء نَتَجَه الغضبُ، ولا يعمل به ولا يؤخذ به، ولا يُشك في أنه -رضي الله عنه- قد عرف بعد زوال الغضب عنه حُسْنَ اختيار عثمان ومن معه من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبقي على موافقتهم وترك الخلاف لهم".
وأكَّد ذلك الذهبي -رحمه الله- فقال: "وقد ورد أنَّ ابن مسعود رضي وتابع عثمان ولله الحمد".
وقال ابن كثير -رحمه الله-: "وإنما روي عن عبد الله بن مسعود شيء من الغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف... إلى أن قال: ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق".
فإن قيل: كيف جاز للصحابة ترك ما لا يحتمله الرسم من الأحرف التي أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقراءة القرآن بها؟
قيل: إنَّ أمره إياهم بالأحرف السبعة لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمرُ إباحة ورخصة... وإذا كان ذلك كذلك لم يكن القوم بتركهم بقية الأحرف تاركين ما عليهم نقله، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما يؤدون به الواجب، وهو أحد هذه الأحرف، فإذا حفظوه ونقلوه؛ فقد فعلوا ما كلفوا به.
وقد علَّل ابن القيم -رحمه الله تعالى- جمع الناس على حرف واحد، وهو أيضًا تعليل حسن للاقتصار على ما يحتمله الرسم منها حيث قال: "فلما خاف الصحابة -رضي الله عنهم- على الأمة أن يختلفوا في القرآن، ورأوا أن جمعهم على حرف واحد أسلم وأبعد من وقوع الاختلاف؛ فعلوا ذلك ومنعوا الناس من القراءة بغيره، وهذا كما لو كان للناس عدَّة طرق إلى البيت، وكان سلوكهم في تلك الطرق يوقعهم في التفرُّق والتشتت، ويطمع فيهم العدو، فرأى الإمامُ جمعهم على طريق واحد، فترك بقية الطرق جاز ذلك، ولم يكن فيه إبطال لكون تلك الطرق موصلة إلى المقصود، وإن كان فيه نهي عن سلوكه لمصلحة الأمة".
عدد المصاحف التي أمر عثمان -رضي الله عنه- بنسخها:
اختلف في عدد النسخ التي كتبها عثمان إلى خمسة أقوال:
- قيل: إنها أربع نسخ؛ قال أبو عمرو الداني: "أكثر العلماء على أنَّ عثمان بن عفان -رضي الله عنه- لمَّا كتب المصحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كلِّ ناحية من النواحي بواحدة منهن، فوجَّه إلى الكوفة إحداهن، وإلى البصرة أخرى، وإلى الشام الثالثة، وأمسك عند نفسه واحدة".
- قيل: إنها خمس نسخ؛ قال السيوطي: "المشهور أنها خمسة".
- قيل: إنها سبع نسخ؛ فقد روى ابن أبي داود عن أبي حاتم السجستاني، قال: "لمَّا كتب عثمان المصاحف حين جمع القرآن كتب سبعة مصاحف، فبعث واحدًا إلى مكة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وآخر إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وحبس بالمدينة واحدًا". ونقل ذلك أبو شامة والمهدوي، وقال مكي: "ورواته أكثر".
- وقيل: إنها ثمانية، وهو قول ابن الجزري.
- وقيل: إنها ستة وعلى هذا القول بنى ابن عاشر منظومته في اختلاف الحروف".
خبر هذه المصاحف:
ذكر بعض المؤرخين القدامى رؤيتهم لبعض هذه المصاحف، وممن ذكر رؤيته لبعضها ابن جبير (ت614هـ) حين زار جامع دمشق رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان -رضي الله عنه-، وهو المصحف الذي وجَّه به إلى الشام كما قال.
وقد زار المسجد أيضًا ابن بطوطة (ت779هـ) فقال: "وفي قبلة المسجد المقصورة العظمى التي يؤم فيها إمام الشافعية، وفي الركن الشرقي منها إزاء المحراب خزانة كبيرة فيها المصحف الكريم الذي وجهه أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه- إلى الشام".
ورأى النسخة نفسها ابن كثير (774هـ) -رحمه الله تعالى- حيث قال: "وأمَّا المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا في طبريَّة، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمس مائة، وقد رأيته كتابًا جليلاً عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم، في رِقٍّ أظنه من جلود الإبل، والله أعلم.
كما ذكر ابن بطوطة أنه رأى في مسجد علي -رضي الله عنه- في البصرة المصحف الذي كان عثمان -رضي لله عنه- يقرأ فيه لما قُتِلَ، وأثر تغيير الدم في الورقة التي فيها قوله -تعالى-: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة:137) ، ويبدو كذلك أن ابن الجزري وابن فضل الله العمري قد رأيا كلاهما هذا المصحف الشامي نفسه. ورأى ابن الجزري مصحفـًا في مصر.
ويبدو -كذلك- أنَّ المصحف الشامي ظلَّ محفوظًا في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري حيث قيل: إنه احترق، فقد قال الأستاذ محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: حتى إذا كانت سنة 1310هـ؛ سرت النار إلى جذوع سقوفه فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات فدثر آخر ما بقي من آثاره ورياشه، وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي كان جيء به من مسجد عتيق في بُصرى، وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني. وقيل: إن هذا المصحف أمسى زمنًا في حوزة قياصرة الروس في دار الكتب في ليننجراد ثم نقل إلى انجلترا.
كما أن هناك مصاحف أثرية تحتويها خزائن الكتب والآثار في مصر، ومنها المصحف المحفوظ في خزائن الآثار بالمسجد الحسيني، ويقال عنها: إنها مصاحف عثمانية، وقد شَكَّك كثيرًا الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني بهذا معللاً بأن فيها زركشة ونقوشًا موضوعة كعلامات للفصل بين السور ولبيان أعشار القرآن، ومعلوم أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا.