شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قناة الرحمة بين بياني تأسيس

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أصبحت القنوات الفضائية الإسلامية حاضرةً في كل قارات الدنيا، ولم يَعُدِ الإعلام قاصرًا على الإعلام اليهودي في الخارج والعالماني في الداخل، ووضح ذلك جليًّا في أثناء الحرب الإسرائيلية على "غزة"؛ حيث قامت القنوات الفضائية الإسلامية بحشد الرأي العام ضد اليهود، ووُجِدت حالة تعاطف غير مسبوقة بين عوامِّ الناس مع إخوانهم في "غزة"، وقامت "قناة الرحمة" بدور مشكور في هذا الصدد، وبثـَّت عددًا من الحلقات لمشرف القناة الشيخ "محمد حسان"، وللشيخ "محمد حسين يعقوب"، وللدكتور "حازم شومان"، وغيرهم...

ولم يكن "اليهود" بمنأىً عن رصد هذه الحالة، ولكن يبدو أنهم فضلوا ألا يزيدوا من نقمة رجل الشارع عليهم في ذلك الوقت؛ فانتظروا حتى تهدأ الأمور، ثم بدؤوا في التحرك؛ فقد قام "المجلس البصري والسمعي" في "فرنسا" بتقديم شكوى في "قناة الرحمة الإسلامية"؛ لوقف بثها داخل "فرنسا"، وهذا ما تم بالفعل!

كما أَخْطـَرَ الجهات الفرنسية بمخاطبة "النايل سات" لوقف بث "قناة الرحمة" عليه؛ وذلك لكون "النايل سات" مستضافـًا على قمر صناعي فرنسي.

وكانت الذريعة أن "قناة الرحمة" بثت موادَّ معاديةً للساميَّة! واستشهدوا بمقاطع لبعض حلقات الشيخ "يعقوب" والدكتور "حازم شومان" عن اليهود إبان "حرب غزة"!

وقد تمت الاستجابة الجزئية لهذا الأمر بتغيير تردد "قناة الرحمة" على "النايل سات"، وإعادة بثها بالتردد الجديد باسم: "نسائم الرحمة"، كما أنها تُبث أيضًا على "العرب سات" بدون تدخل من هذه الجهات... "حتى الآن"!

ويبدو أن الاقتصار في الشكوى على "قناة الرحمة" دون غيرها من القنوات الإسلامية التي قامت بحملات إعلامية مماثلة في أثناء حرب غزة هو نوع من "جَسِّ النَّبْض"؛ لكي يروا ماذا سيكون رد فعل القنوات الإسلامية إذا ضُيِّقَ عليها إلكترونيًّا؛ أترفعُ "الراية البيضاء" وتغيِّر منهجها؟!

أم ستصمد -وإن وصل الأمر إلى الإغلاق-؟

أم ماذا سيكون في جعبتها؟

وقد ذكرنا في مقال: الفضائيات الإسلامية ومنزلق "التدجين" و"التهجين" أن تجربة القنوات الفضائية مثمرة -بفضل الله تعالى- حتى الآن، ولكنها ما زالت تحت الاختبار من قِبَل كل "المَعْنِيِّينَ" بالشأن الإسلامي؛ مما يقتضي الحذر والحيطة من الشِراك التي تُنصب حولها؛ لاستخدامها في "تهجين الدين" وإلباسه ثوبًا "عالمانيًّا"! ويبدو أننا الآن أمام أحد هذه الاختبارات من أشد هؤلاء "المعنيين" شراهة لـ"تهجين الدين" و"تدجين دُعاته".

ولكنْ: ماذا كان رد فعل "قناة الرحمة"؟!

لقد كان رد الفعل الرئيس للقناة عبارة عن برنامج خاصٍّ بعنوان: "الرحمة باقية بإذن الله" قدَّمه الأستاذ "مُلْهََم العيسوي" الذي استضاف فيه الأستاذَ "محمود حسان" مديرَ القناة، والذي ألقى بدوره بيانًا ذكر فيه رسالة القناة ومنهجَها، ثم تلا ذلك إذاعةُ تسجيل لبيان التأسيس الذي ألقاه الشيخ "محمد حسان" في الافتتاح الرسمي لـ"قناة الرحمة"، ثم تلا ذلك عددٌ من المداخلات لبعض المشاهدين، ولبعض الشيوخ الذين يقدمون برامج في القناة.

وأول ما يلفت نظرك... الاختلاف البَيِّن بين خطاب الشيخ "محمد" وخطاب أخيه "محمود"؛ مما يجعل خطاب الأستاذ "مدير القناة" بمثابة خطاب التأسيس الثاني؛ لا سيما وأنه تكلم باسم "قناة الرحمة"، وتكلم مِن ورق مُعَدٍّ مكتوب... إلى آخر هذه الأمور التي تمنع مِن اعتبار أمره "زلة لسان"، أو حتى موقفًا محددًا لشخص وليس للقناة ككل!

لقد استخدم الشيخ "محمد حسان" خطابًا تميزت به معظم القنوات الإسلامية الموسومة بـ"السلفية"؛ وهو محاولة ذِكر الحق مع عدم التعرض الصريح للباطل ابتداءً من الأديان المُحَرَّفة إلى المناهج البدعية القديمة إلى بِدَعِ العالمانية وغيرها...!

وهو مسلك نراه خطيرًا؛ لا سيما مع اعتماد عدد كبير من المشاهدين على هذه القنوات كمصدر وحيد للمعرفة الدينية، إلا أنه يبقى في النهاية مسلكًا قابلاً للمناقشة والأخذ والرد.

ولكنه مع هذا أبرز قضية أن "الإسلام هو الحق"، وأن اتباع منهج الصحابة هو الحق، وأن ما عدا هذا باطل؛ فقال بعد ذكره لالتزام القناة بالرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم الصحابة الكرام:

"إني أقول دائمًا: إن الحق معنا وإن الباطل مع غيرنا، ولكنا لا نحسن أن نشهد لهذا الحق شهادة عملية على أرض الواقع".

بالطبع لم يَفُت الشيخ "محمد حسان" أن يُكرِّر أن قناتَه لا تتبع حِزبًا مِن الأحزاب ولا جَماعة مِن الجماعات، وهو أمر دائم التكرار له وكأن الأحزابَ عنده والجماعاتِ صنوان! وهذا مِن الظلم البَيِّن أن يَقرن بينهما؛ فهو حتى إذا كان لا يرى مشروعية الجماعات فالبراءة من الأحزاب واجب أصيل؛ لِمَا قامت عليه هذه الأحزاب مِن مبادئ عالمانية مخالفة لدين الإسلام، خلافـًا للجماعات الإسلامية التي لا يمكن أن ترقى اعتراضاتُه عليها إلى عُشر ذلك أو مِعشاره (1) .

ومع هذا فخطاب الشيخ "حسان" كان حتى هذه اللحظة من وجهة نظرنا مغمورًا في حسنات دخول هذه القنوات كل البيوت ووصول رسالة الالتزام إليهم؛ لا سيما وأن معظم هؤلاء لن يقرؤوا الرسائل التي بين السطور التي يقرؤها عادة المَعْنِيُّون بها فقط.

وسارت القناة كغيرها من القنوات الإسلامية وسط ترحيب عامٍّ مِن الدعاة السلفيين بهذا المنبر الجديد، ولم يَخْلُ الأمر مِن نصيحة بكسر حاجز الصمت عن بعض قضايا الدين -ولو تلميحًا-، أو باعتراض على شخص أو موقفٍ في قناة أو أخرى؛ حتى جاء بيان الأستاذ "مدير القناة" ليسقط كالصاعقة على كل مَن اعتبر "قناة الرحمة" منبرًا سلفيًّا بصورة أو بأخرى!

وإليك بيان بأخطر "سقطات بيان التأسيس الجديد" لـ"قناة الرحمة":

1- قال الأستاذ محمود: "ونعلم أن للآخر حقـًّا علينا، ونحن لا نعادي اليهودي؛ لكونه يهوديًّا ولا النصراني لكونه نصرانيًّا، ولكن نعادي مَن يعادينا بأخلاق الإسلام، لا بأخلاق الآخَر المعادي لنا"، ومِن فرط شعوره بأهمية هذه الرسالة كررها مرتين! ثم عاد مضيفه الأستاذ "ملهم" فكررها مرة ثالثة في أثناء الحلقة!!

الصفحة التالية