قناة الرحمة بين بياني تأسيس
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
كما أنه عاد فقال عن الإسلام -كما تفهمه "قناة الرحمة"-: "إن الإسلام يرفض الحرب التي تثيرها عصبية الدين أو الجنس أو اللغة" (2) ، كما أنه ختم البيان بعبارة بيَّنت أن هذا المعنى هو بيت القصيد مِن البيان قائلاً: "هذا هو منهجنا الذي يحترم الآخَر ويحفظ له حقوقه" (3) .
وبالطبع فمُعِدُّ هذا البيان قد خلط هذا الخلط الذي اعتدنا أن نسمعه من العالمانيين -ومَن دار في فلكهم- حينما ينطلقون مِن نقطة: "أن للكافر حقـًّا في دين الله" إلى أن يجعلوا مِن هذا الحق "محبتَه" و"عدمَ معاداتِه"، بل و"احترامَ منهجِه"!
وكل هذا باطل؛ فإن الله -تعالى- الذي جعل للمسالمين منهم حقـًّا علينا أن نبرهم ونقسط إليهم؛ هو الذي قال: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (المجادلة:22) ، وهو الذي قال: ( وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (المائدة:51) .
وهو -عز وجل- الذي وصف منهج الكفار بـ"الغـَيّ" في سياق الأمر بعدم إكراههم على الدين، ولكن العالمانيين والمتأثرين بهم يقرؤونها على طريقة: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) (الماعون:4) ، ولا يكملونها؛ فيقولون: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )، ثم لا يقرؤون: ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) (البقرة:256) !
كما أنه -سبحانه وتعالى- هو الذي أمر بجهاد الكفار مِن أجل كفرهم؛ فقال: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ) (البقرة:193)؛ أي: شرك. وهذا بالطبع عند القدرة على ذلك.
2- لم يكن محور مغازلة الآخَر "اليهودي" و"النصراني" هو المحورَ الوحيد؛ بل كان محور مغازلة الآخَر "القومي" و"الوطني" حاضرًا وبقوة؛ مِن أجل مناشدته عدمَ الاستجابة للضغوط الخارجية؛ فذَكَرَ البيانُ أن مِن ضمن رسالتهم: "تنمية الحس الوطني القومي لدى المواطنين"!
وذَكَرَ منها: "تنمية الحس الديمقراطي وممارسة الديمقراطية"!!
وزاد أحد الشيوخ في اتصاله الطين بلة؛ حينما فاخر بقيام المسئولين بدعم المنتخب القومي حتى نصره الله، وطالبهم بأن ينصروا "قناة الرحمة" كما نصروا "المنتخب الوطني"!!
والمعلوم أن الوقائع التي يشير إليها تلك التي احتفت بمواجهات المنتخب المصري مع نظيره الجزائري، والتي أججها الإعلام المدفوع بتحركات "الموساد" نارًا عصبيةً جاهليةً ما زالت الأمة تكتوي بنارها حتى الآن؛ حتى هَمَّ بعض "اللاعبين" بمبادرة لإزالة هذا التوتر في الوقت الذي يُفاخِر فيه بعضُ "الدعاة" بهذا العبث بثوابت الأمة وبوَلائِها للمسلمين في كل مكان! كما عبث سابقـُه ببَرائِها مِن الكفار!
والدعوة إلى القومية عصبية جاهلية؛ قال عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( دَعُوهَا فِإنَّهَا مُنْتِنَةٌ ) (متفق عليه) .
والديمقراطية "منهج منحرف" يعني: حكمَ الشعب بالشعب لصالح الشعب؛ وهي تنافي قاعدة: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) (الأنعام:75) (4) .
3- بينما كان بيان التأسيس الأول يُفاخِر بأن القناة ليست تابعةً لحزب أو جماعة إلا أن حوارَ "مدير القناة" استثنى مِن ذلك "الحزبَ الوطنيَّ"؛ حيث أَخْبَرَ فـَرِحًا مَسرورًا بـ"أن بيانات إحاطة قدمت في مجلس الشعب مِن عشرة نواب كلهم "وطنيون"! ثم استدرك قائلاً: "كلهم مِن "الحزب الوطني"؛ لأنا بحمد الله لا نتبع جماعة ولا حزبًا"! ثم أضاف أحد الشيوخ في اتصال آخَر: مناشدة الدولة التدخل؛ لأن "قناة الرحمة" جزء مِن النظام!
وفي الواقع نحن كنا مِن أسبق الناس نهيًا عن مصادمة الأنظمة في البلاد الإسلامية في وقت كانت العمليات المسلحة تحرق الأخضر واليابس مما لم يكن للخطباء الفرديين فيه أيُّ قدرة على مواجهة ذلك الطوفان، ولكننا ضد أن تُخلـَط المفاهيم وتَضطربَ إلى هذا الحد!
فنحن نتعاون مع "الأنظمة المَدَنِيَّة" مِن باب تحقيق مصالح المسلمين، ونحلم باليوم الذي يَرغب فيه أهلُ الحُكم أن يتولوا باسم الإسلام ويَحكموا بشريعته! والخلط بين النظامَيْنِ في توصيف الأمور يُظهِر أصحابَه بمظهر المُتَمَلِّق والساذَج في آن واحد!
فـ"النظام الديمقراطي" الذي زعم البيانُ أن القناة تُرَسِّخُهُ يَفصل بين القنوات الإعلامية الحُكومية والحِزبية -بما في ذلك إعلام الحزب الحاكم- والمُسْتَقِلَّة، ويَعتبر انضمامَ أحدهم إلى الآخَر إخلالاً بالشفافية الديمقراطية.
وأما "التبعية للإمام" و"الدوران في فلكه"؛ فمُفردات لا وجودَ لها في "القاموس الديمقراطي"، والتصريحُ بها يَضر كِلا الطرفـَيْنِ.
وهذا أحد الطرائف التي يَتندر بها "العلمانيون" على بعض الدعاة الذين يخلطون بين نظام الحكم في الإسلام والنظام الديمقراطي؛ حتى إن أحدَهم أفتى: بـ"أن مَن يُرَشِّح نفسَه أمام الإمام خارجيٌّ"!
وتذاكى بعضُهم فاعتبر أنه ليس خارجيًّا؛ لأن الإمام هو مَن دعى إلى الانتخابات! فتذاكى الآخَرُ أكثر وأكثر فقال: "إنما الطاعة في المعروف"، والإمام عاصٍ بدعوته الآخرين إلى ترشيح أنفسهم؛ فلا يُطاع في ذلك!
فنحن نناشد هؤلاء الدعاة: أن يَكفوا عن هذا العبث، وأن يَعرفوا أن المزج بين نِظامَيْنِ متعارِضَيْنِ يُوَلـِّد مثلَ هذه المُفارقات، وأن يَكتفوا بدعوة عوامِّ المسلمين إلى الحفاظ على أمن بلاد المسلمين وعدمِ تعريضها للخطر.
4- وفي التصريح السابق نوعٌ مِن التعريض بنُوَّاب "الإخوان" (5) ، ونوعٌ مِن الرضا التامِّ بعدم انضمامهم إلى "حملة الدفاع عن الرحمة"؛ حتى لا تُوصَم الرحمة بأنها تتبع حزبًا أو جماعةً! وهو مَوْقف مُشِين؛ لا سيما وقد رحَّبت القناة بدفاع أعضاءٍ مِن "الحزب الوطني" عن القناة؛ فكان عليهم أن يَستنكروا غيابَ "الدفاع الإخواني" لا أن يُرَحِّبُوا به!