شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قافلة غزة بين العصابات والتحقيقات، وبين الثبات والسبات

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

(8) تزامنت الدعوة إلى القومية التركية في تركيا مع الدعوة إلى القومية العربية في بلاد العرب؛ لأن الأعداء أدركوا صعوبة أن يتقبل العرب في ذلك الوقت التشرذم الكامل، ثم سرعان ما بث الأعداء الخصومات بين العرب، وأجَّجوا نيران الوطنية بين العرب بعضهم بعضًا، حتى رأينا شعبين مسلمين عربيين يتسابان عبر وسائل الإعلام من أجل مباراة كرة قدم، وكم يغبط المرء المجتمع الجزائري الذي شارك عدد كبير من رموز صحوته الإسلامية المباركة في هذه القافلة، ونقول: هذا هو الفخر لمن أراد أن يفاخر، وأما فخر -بل سب وطعن- جمهور الكرة فنبرأ إلى الله منه، ونسأل الله أن يرفعه عن جميع بلاد المسلمين.

وها هي تركيا تتخلى على المستوى الشعبي -بل الرسمي- عن الشعار البغيض: "تركيا للأتراك"، وأصبحت تركيا من أهم مناصري القضية الفلسطينية، حتى أصبحت تركيا تحث مصر التي خاضت كل الحروب العربية الإسرائيلية بمزيد من الضغط على إسرائيل، وإننا إذ نرحب بتنامي الاهتمام التركي بالعالم الإسلامي نود أن نرى تنافسًا بيِّنًا في هذا المجال ( وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ) (المطففين:26)، وهل يليق أن تتسارع خطوات تركيا على طريق النصرة الإسلامية بينما تتباطأ خطوات العرب الذين هم أولى بحكم الجوار، وبحكم نزول القرآن بلغتهم وتدوين الشريعة بها؟!

(9) رغم زخم الحدث بالمواقف التي تستحق التوقف عندها إلا أن هذا لا يمنعنا من الوقوف أمام هذا الحدث الفريد لعدة اعتبارات، منها: أننا معشر المسلمين نشعر بأن جزءًا من أهم أهدافنا قد تحقق عندما يهدي الله على أيدينا من شاء من عباده ( لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (متفق عليه)، و كما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عند الغلام اليهودي الذي أسلم على فراش الموت فرحًا قائلاً: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْقَذَهُ بِي مِنَ النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

كما أن حالات إسلام هؤلاء الذين لا ينتظرون من وراء إسلامهم إلا المتاعب ترد على الـ "بي. بي. سي" وغيرها من أبواق التنصير الذين يبالغون فيما يسمونه بـ"ظاهرة المتنصرين" من أمثال: "رحومة، ونجلاء الإمام"، وهم ما بين لص أو بائع دينه لمن يشتري كما لا يخفى من أحوالهم، وأما المهتدون إلى الإسلام؛ فظاهرة يعترف الغرب أنها تهدد وجوده ككل.

(10) تبذل قوى الشرك العالمية مجهودات جبارة لكسر عقيدة الولاء والبراء عند المسلمين؛ لعلهم أن يستطيعوا إلغاءهم من التاريخ كأمة، وهو مسلك يهودي قديم حتى كان اليهود يتعاطسون عنده -صلى الله عليه وسلم- رجاء أن يدعو لهم: "يرحمكم الله"، فيتذرعون بها أنهم من المرحومين لا من المغضوب عليهم؛ فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو لهم: ( يَهْدِيكًمُ اللَّهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

وللقوى المعاصرة في ذلك أساليب تتفاوت بين الترغيب والترهيب، ومن الترغيب إغراء كثير من المسلمين بمحاولة تقديم صورة مغلوطة عن منهج الإسلام مع العقائد المخالفة؛ فبدلاً من بيان عور هذه المناهج ودعوة أصحابها إلى التوبة صار من المسلمين من يقول: إن إلاسلام يحترم عقيدة الآخر إلى الحد الذي يأخذ فيه بعض دعاة إلاسلام رسالة دكتوراه في تعامل الإسلام مع الآخر من عند هذا الآخر، كما حصل الأستاذ "عمرو خالد" على رسالة دكتوراه في هذا الموضوع من جامعة "ويلز"، وهو الآن في مرحلة تصويب الأخطاء الإملائية في الرسالة؛ لاعتمادها بصورة نهائية، ولا ندري هل سيجد وقتًا لكي يعلق على هذا الحادث الهمجي أم أن انشغاله بالرسالة سوف يعوقه عن ذلك؟!

وأما من لم يجدِ معه الترغيب فيمكن الترهيب كما حدث مع "قناة الرحمة" التي أوقف بثها أو غير ترددها على "النايل سات"؛ فخرج مديرها فقدم تنازلات فجة في هذا الباب أصلح مشرفها الشيخ "محمد حسان" شيئًا منها في حوار له على قناة الجزيرة، وإن كنا نتمنى أن تستثمر القناة الحدث، وتنفي كل ما قيل من كلام يخالف الشرع صراحة، وتبيِّن المنهج الصحيح في هذه القضية دون مواربة، ودون أن تعلق الأمر على مجرد الاعتداءات اليهودية، بل بيان أن نشر الحق وإخراج العباد من ظلم الأديان إلى عدل إلاسلام هو الهدف الأسمى للدعوة الإسلامية، وإن لم يعتدِ الكفار علينا؛ فكيف إذا اعتدوا؟!

(11) تحرك المجتمع الدولي بجميع مؤسساته لوقف ما أسموه بالاستخدام المفرط للقوة من قِبَل الحكومة السودانية ضد عصابات وقُطاع طرق في "دارفور"، وهم في النهاية من جملة الشعب السوداني، وعقدت محاكمات دولية غيابية، وأدين اثنين من الضباط السودانيين فيها، ثم أدين الرئيس السوداني نفسه؛ بحجة تستره على المجرمين.

بينما يترك المجتمع الدولي حكومة تمارس كل أنواع الاحتلال مع العنف والقهر ضد شعب يخالفها دينًا ونسبًا، بل تقتل كل من يريد أن يقدم المساعدة، والمجرمون معرفون بالاسم يخرجون على وسائل الإعلام يفخرون بفعلهم، ومع ذلك فالمجتمع الدولي ما بين مستنكر وهو يعلم أن استنكاره لن يقدم ولن يؤخر، وبين مطالب لإسرائيل أن تجري هي بنفسها التحقيق مع ضباطها، ومع ذلك ما زال هناك مَن يطالب المسلمين بالاندماج في الشرعية الدولية.

الصفحة السابقة