شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دماء طاهرة لا تضيع

عصام حسنين • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فـ "حسبنا الله ونعم الوكيل"..

هذه كلمة المغلوب على أمره، والعاجز الذي لا يقدر كما رُويَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: "حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ" (رواه أبو داود، وضعفه الألباني) ، والحديث وإن كان ضعيف السند إلا أن معناه صحيح.

و"إنا لله وإنا إليه راجعون"..

استرجاعًا على مُصاب المسلمين كما قال -تعالى-: ( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:156-156) .

قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله-: "أي تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة، ولهذا أخبر -تعالى- عما أعطاهم على ذلك: ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ) أي: ثناء من الله عليهم، ( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )" اهـ بتصرف 1/197 .

و"اللهم أجرنا في مصيبتنا، وأخلف لنا خيرًا منها"..

كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا؛ إِلاَّ أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا ) (رواه مسلم) .

نقول هذا مبتدئين مقالنا على الفاجعة التي أصابت المسلمين فجر الاثنين 31 - 5 - 2010م، حيث قام اليهود -عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة- بالهجوم على سفينة تركية تحمل مجموعة من المسلمين وغيرهم أتوا بالمؤن للمسلمين المستضعفين المحاصرين في غزة الصامدة -نصرهم الله وحفظهم-، وقتلوا منهم عشرين، وجرحوا العشرات، واقتادوا السفينة بمَنْ فيها مِن القتلى والجرحى إلى ميناء "أسدود"، وأما مَن بقي حيًّا فقد قيدوه، ومنهم من سلَّموه لبلده، ومنهم من اعتقلوه.

ومعظم القتلى من مسلمي تركيا، نسأل الله -تعالى- أن يتقبلهم في الشهداء، آمين.

وأما ردود الأفعال فمتباينة:

- منهم من ندَّد بقوة كرئيس وزراء تركيا الذي قال:

"إن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الهجوم الإسرائيلي الوحشي على أسطول الحرية"، مشيرًا إلى أن تركيا حكومة وشعبًا تساند الشعب الفلسطيني في غزة.

- وقامت تركيا بسحب سفيرها.

- ومجموعة من الأتراك يحاصرون القنصليتين الإسرائيلية والأمريكية، ووزير الخارجية اليهودي يدعو المجرمين أمثاله إلى المغادرة فورًا.

- وهناك مَن اكتفى بمجرد الإدانة.

- ومنهم مَن سكت -أسكته الله-.

- ومنهم -وهم سلطة فتح-: "حالة تأهب قصوى في صفوف أجهزة فتح لمنع اندلاع مواجهات ضد الاحتلال في الضفة الغربية"! نعوذ بالله من الخيانة .

- وإنكار مِن كثير من الدول، واجتماع لمجلس الأمن، ودعوة لمؤتمر قمة عربي، وأسف أمريكي وبريطاني.

هذه الأخبار وما يُتابعها فيها دروس كثيرة، نقف على ما يفتح الله به، نستفيد منه، ونطبقه إبراءً لذمتنا أمام الله -تعالى-، وأداءً للواجب الذي في رقبة كل مسلم لأخيه المسلم: ( لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ ) (متفق عليه) ، وفي رواية لمسلم: ( وَلاَ يَخْذُلُهُ ).

أمة الإسلام تمرض، لكنها لا تموت:

فهذه الأمة المرحومة المشرَّفة -زادها الله شرفـًا- قد تُصيبها الأمراض بسبب ذنوبها، لكنها لا تموت.

ما يصيبها من الابتلاءات رحمة من ربها -عز وجل- لتُراجع أمر دينها؛ قال -تعالى-: ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الروم:41) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فسرعان ما تفيق وتستيقظ -ولله الحمد-.

ولا تموت؛ لأنها أمة الخيرية.. خير الناس للناس؛ ولأنها خاتمة الأمم، أتباع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إبلاغ الدين كما قال -تعالى-: ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) (آل عمران:110) ، وقال الله -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف:108) .

الصفحة التالية