دماء طاهرة لا تضيع
عصام حسنين • حدث وتعليق
أنه لا حل مع العدو الذي احتل أرضًا إسلامية وجثم بغشمه على المسجد الأقصى، واغتصب المسجد الإبراهيمي وغيره إلا الجهاد؛ فـ"لا يفل الحديد إلا الحديد"، فكل الحلول البشرية التي وضعها الأعداء -الذين هم من بني جلدتنا- لقوات الصهيوصليبية والمنافقين مع المعتدين المغتصبين أراضي المسلمين باءت بالفشل؛ لأنها مخالفة لأمر الله -تعالى- العليم بما خلق، قال -تعالى-: ( أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك:14) ، ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:216) .
فالله -تعالى- فرض الجهاد لرد المعتدين ودعوة إلى الله -تعالى-، قال -تعالى-: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) (البقرة:216) .
قال الشيخ الجزائري -حفظه الله-: "يخبر -تعالى- رسوله وعباده المؤمنين بأنه فرض عليهم قتال المشركين والكافرين وهو يعلم أنه مكروه لهم بطبعهم؛ لما فيه من الآلام والأتعاب وإضاعة المال والنفس، وأخبرهم أن ما يكرهونه قد يكون خيرًا، وأن ما يحبونه قد يكون شرًّا، ومن ذلك الجهاد؛ فإنه مكروه لهم وهو خير لهم؛ لما فيه من عزتهم ونصرتهم ونصرة دينهم مع حسن الثواب وعظم الجزاء في الدار الآخرة، كما أن ترك الجهاد محبوب لهم، وهو شرٌّ لهم؛ لأنه يشجع عدوهم على قتالهم واستباحة بيضتهم وانتهاك حرمات دينهم مع سوء الجزاء في الدار الآخرة، وهذا الذي أخبرهم -تعالى- به من حبهم لأشياء وهي شَر لهم وكراهيتهم لأشياء وهي خير لهم هو كما أخبر لعلم الله به قبل خلقه، والله يعلم وهم لا يعلمون، فيجب التسليم لله -تعالى- في أمره وشرعه مع حب ما أمر به وما شرعه واعتقاد أنه خير لا شر فيه".
ونقل عن القرطبي -رحمه الله- قوله: "كما اتفق في بلاد الأندلس تركوا الجهاد، وجبنوا عن القتال، وأكثروا من الفرار، فاستولى العدو على البلاد، وأسر وقتل وسبى واسترقَّ، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته" اهـ 1/196 .
وها نحن نرى أيضًا مفاسد ترك الجهاد بزعم أن فيه شرًّا، وما قولهم هذا إلا لنفاقهم ومسارعتهم في الكافرين، وحسبنا الله ونعم الوكيل:
- اغتصاب أراضي المسلمين.
- سفك الدماء، وذلة ومهانة، كما قال أبو بكر –رضي الله عنه-: "ما ترك قومٌ الجهاد إلا ذلُّوا".
- ترؤس الجاهلين والمنافقين والمضلِّين.
- جيوش مجيَّشة في خدمة العدو المغتصب لبلاد المسلمين.
- وكما قال -تعالى-: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (البقرة:251) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحج:40) .
- وهذه الدماء الطاهرة درس للذين حاصروا إخوانهم المستضعفين في غزة:
من النساء، والأطفال، والعجائز والشيوخ، والمرضى، والجوعى، وغيرهم...
ها هم العُزَّل قد جاؤوا لرفع الحصار عن إخوانهم وإيصال الإمدادات إليهم، وها هم غير المسلمين الذين ألقى الله الرحمة والشفقة في قلوبهم لعباده المؤمنين المستضعفين، وصدق -صلى الله عليه وسلم- إذ قال: ( وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ ) (رواه البخاري) ، جاؤوا لرفع المعاناة عن هذا الشعب المُحاصَر المظلوم، وأنه لابد وأن يُرفع عنه هذا الظلم، فأين شفقتكم أنتم؟!
وأين واجب النصرة الذي أوجبه عليكم الشرع؟!
قال الله -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات:10) ، وقال الله -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:71) ، وقال -تعالى-: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) (الأنفال:72) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ) (رواه مسلم) .
- والحذر من التخلي عنهم:
فقد نُبتلى ببلائهم، وكما تدين تُدان.
- وأما مَن لا قدرة له؛ فينبغي مناصرةً لإخوانه المسلمين:
1- أن يتبرأ من النفاق وأهله، وأن يُري الله -تعالى- أنه له كاره، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ ) (رواه مسلم) .
2- أن يحدث نفسه بالغزو؛ فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ) (رواه مسلم) .
3- أن يساعد إخوانه بما يستطيع بما لا يترتب عليه مفسدة.
4- مقاطعة الذنوب والمعاصي وأسبابها وأهلها.