الحقيقة والقتل بنيران صديقة
البخاري إبراهيم • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
ففي ظل التقدم التقني الهائل في مجال المعلومات الإلكترونية أو ما يُعرف بـ"ثورة الإنترنت" أو "العولمة المعلوماتية" قد اجتاحت المجتمع مجموعة من الأخلاق الرديئة التي تتعلق بحرمات الأمة الإسلامية وعِرضها وعلمائها، وهي: انتشار التشهير والفضائح، ونشر الإشاعات والاتهامات والافتراءات والبهتان العظيم من خلال: تقنيات كاميرات المراقبة والهواتف المحمولة، ومواقع الإنترنت والفضائيات، وتكنولوجيا "البلوتوث" التي تسمح بالانتقال اللاسلكي بين الهواتف المحمولة بسرعات فائقة، ودقة في تشغيل البيانات؛ فضلاً عن الصحف والمجلات.
ف هي كارثة باتت تهدد مؤسسات فاعلة في المجتمع ، ودعاة إلى الله على بصيرة، بل و بيوتًا مسلمة كثيرة .. ! فكم خربت من بيوت ، وكم فضحت من مستورات ، وكم هزت من كيانات !
فرب شائعةٍ تسببت في هزيمة جيش ، أو قيام حرب ، أو قتل نفس ، أو طلاق زوجة ، أو خراب أسرة ، أو فساد في الأرض ، أو فصل من وظيفة ، أو إقامة بدعة لا أصل لها ، أو هدم سنة ثابتة ، أو صرف المسلمين عن قضية من قضاياهم المصيرية .
كم من مقالة حق أريد بها باطل صدت الكثيرين عن سماع الحق من فلان!، وكم من مقالة سوء نفرت الناس من داعية محتسب، ففتحت بابًا من الطعن واللمز والتشهير، فاتهموه بمشابهة الخوارج -مثلاً- لا لشيء إلا لكونه صدع بالحق المر، ولم يداهن كما يداهن غيره، أو لكونه بيَّن عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل مهمة من مسائل الاعتقاد: كالحاكمية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقضايا الولاء والبراء، وغيرها... فحُرم الناس بإيقافه خيرًا كثيرًا.
وكم من باب للخير قد أغلق بسبب همزٍ ولمزٍ، وأمورٍ بُيِّتتْ بليل، وكم من مشروعٍ دعوي ضخم أجهضته كلمةُ انتقاص طائشة في حق القائمين عليه، أطلقها مراهقٌ ممن لا هم لهم إلا مشاغلة الدعاة إلى الله، والتعرض لهم بالسب والتشهير وملء صدور الناس كراهية عليهم! وكم من يدٍ بالسوء امتدت فوَأدَت منشطًا إسلاميًّا في مهده، وكم فُرضتْ قيودٌ وعراقيلٌ بجرّة قلمٍ ما كانت يومًا لله!
وهذا ابن القيم -رحمه الله- يلفـّه استغرابٌ من مدّعي التديّن والوَرَع الذين سَلّوا سيوفَ الكلمة؛ لتقطّعَ لحوم إخوانهم، ولم يُراعُوا لميِّتٍ حُرمة، فيقول: "وكم ترى من رجلٍ متورّعٍ عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول!".
وهي ظاهرة وإن كانت قديمة ، إلا أن الذي ضخمها وهوَّل من أمرها هو تلكم التقنيات الحديثة المشار إليها، حتى راجت هذه الظاهرة وفعلت فعلتها في النفوس الخبيثة.
ولا يخفى أن استغلال التقنية الحديثة لارتكاب الجرائم المختلفة، والتي من ضمنها: التشهير بالآخرين فيه حرف لهذه التقنية عن نهجها الصحيح، وعما ينبغي أن تكون عليه من تحصيل المنافع للمجتمعات والأشخاص.
والأمر الذي يجعلك تعجب -أخي القارئ- حتى يتفجر منك العجب، بل ما يجعل البدن يقشعر حينما يرى ويسمع مظاهر هذه الظاهرة أنها ليست صادرة عن عدو ظاهر أو منافقٍ معلومِ النفاق ، بل يقوم بها طائفة من المنتسبين لحقل الدعوة والعلم ، وربما يزاحمون أهل الصلاح والالتزام بمناكبهم، ويقفون معهم لخدمة دين الله في خندقٍ واحد ، ولكنهم بغوا على إخوانهم، وأصابوهم بطائش سهامهم.
بما يمكن أن نستعير له المصطلح العسكري: "القـتـل بنيران صديـقـة".
فهو عدوان وبغي ممن هم محسوبون على التيار الإسلامي، لكن سهامهم في الحقيقة موجهة إلى إخوانهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا!
فما أحراهم أن يعتبروا بقول إياس بن معاوية -رحمه الله- لما كان سفيان بن الحصين جالسًا عنده، فمرّ رجلٌ فنال منه سفيان، فقال إياس: اسكت! هل غزوتَ الروم؟
فرد سفيان: لا.
فسأله إياس ثانية: أغزوتَ الترك؟
فقال سفيان: لا؛ فعلَّمه إياسٌ درسًا لم ينسه سفيان أبدًا، حين صاح فيه: "سلم منك الروم، وسَلِم منك الترك، ولم يسلم منك أخوك المسلم؟!".
لقد انقلبت الموازين عند هؤلاء حتى أنهم يحتسبون الأجر من الله بفضيحة إخوانهم في الله، والتشهير بهم بغير حق في المنتديات وغيرها...
تقرَّبوا إلى الله ـجهلاًـ بإيذاء إخوانٍ لهم، يظنون أن ذلك يقربهم إلى الله زُلفى؛ وغفلوا عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلا يُقْبَل الْلَّه إِلا الْطَّيِّب ) (متفق عليه ) .
فيا ليت شعري مَن يشتري أعراضَ العلماء والدعاة اليوم من هجَّاءٍ قد تخلف "في كهوف القَعَدَة الذين صرفوا وجوههم عن آلام أمتهم، وقالوا: هذا مغتسلٌ باردٌ وشراب"، و"كلما مرَّ على ملأ من الدعاة اختار منهم ذبيحًا فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المُرّة، تمرق من فمه مروق السهم من الرَّميّة، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق، فإن ذلك من شُعَب الإيمان". " تصنيف الناس بين الظن واليقين ص22" .
إن مما تستوحش منه قلوب المؤمنين النقية، وتشمئز منه نفوسهم السويّة: ما تراه اليوم من تصرفات رعناء لأدعياء العلم والفضل حين يخطئ عَلَمٌ أو رمزٌ مُوثّق أو داعيةُ خيرٍ كانت له في الإسلام سابقةٌ؛ فإذا هم يستبشرون، ويستبيحون عرضه، ويهتكون أستاره، وينسون فضله، ولمّا يشتدّ عودُهم أو ينضج فكرُهم، أو يبلغوا سنّ الحُلُم بَعْد.
فإلى أدعياء الغيرة -ممن يستبشرون بأخطاء الدعاة، ويتصيّدون هناتهم، ويبحثون عن زلاتهم- نسوق كلامًا نفيسًا لابن القيم -رحمه الله- يشرح فيه منهجًا لميزان الرجال؛ حيث يقول: "من قواعد الشرع والحكمة -أيضًا- أنَّ مَنْ كثُرت حسناته وعظُمَـت، وكان له في الإسلام تأثـيرٌ ظـاهر؛ فإنـه يُحـتمل منـه ما لا يحتمل لغيره، ويُعفى عنه ما لا يعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه لا يحتمل أدنى خبث".
الحقيقة:
إذا فتشت معي -أخي القارئ- عن السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة؛ وجدت أنها قد تأخذ صورًا وأشكالاً عديدة إلا أن الذي يربط بينها جميعًا هو أنها صادرة من نفوس مريضة يدفعها الحسد أو الحقد أو التلذذ بإيذاء الآخرين أو غيرها من الأهداف الخبيثة وإن اختلفت تلك الأهداف من شخص لآخر.