شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحقيقة والقتل بنيران صديقة

البخاري إبراهيم • المنهج السلفي

ونُذَكِر إخواننا الذين بغوا على دعاتنا وعلمائنا بمقولة التابعي المخضرم الثقة أبي معبد عبد الله الجهني -رحمه الله-: "إني أرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه"؛ وسبب هذه المقولة أنه ذكر لأصحابه في مجلس له يومًا قائلاً: "لا أعين على دم خليفة أبدًا بعد عثمان".

وكانت كلمة مثيرة منه حقـًّا حتى أن كل من سمعه استغربها، فهو العبد الصالح المحب لعثمان المُجل له، العالم بمكانته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما لهذا الشيخ البرئ الذي لم يرفع سيفًا في وجه عثمان قط يتهم نفسه ويلومها على ما لم تفعل؟ حتى إن أحدهم انبرى بجرأة ليسأله: يا أبا معبد وهل أعنت على دمه؟! فيقول مقالته السالفة: "إني أرى ذكر مساوئ الرجل عونًا على دمه".

فهو يتهم نفسه بجزء من دم عثمان؛ لأنه رأى بأم عينه كيف أن ما ظنَّه، وقام في نفسه من أنه الحق قد أدّى إلى استغلال الرُّعاع له حين تكلم به، وكيف استزلهم الشيطان حتى قتلوا عثمان -رضي الله عنه-.

أين هؤلاء من قول أبي بكرٍ الصّديق -رضي الله عنه- فيما أخـرجه عبد الرزاق في "مصنفه": "لو لم أجد للسارق والزاني وشارب الخمر إلا ثوبي؛ لأحببت أن أستره عليه!".

إن قلبًا كبيرًا رحيمًا كقلب الصدّيق -رضي الله عنه- قد وسع العصاة المجرمين ليسترهم، وأولئك ضاقت نفوسهم عن نجاحات إخوانهم؛ فأبت إلا أن تتتبَّعَ عوراتهم؛ لتفضحهم؛ فيا لله العجب..!

وإلى أمثال هؤلاء وجَّه رسولنا -صلى الله عليه وسلم- حديثه قائلاً: ( يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وإذا تأملنا هذا الحديث الشريف قليلاً.. وربطناه بما سبق ذكره؛ تبيَّن لنا أن هذه الظاهرة -ظاهرة القتل بنيران صديقة- ظاهرة قديمة، لكنها متطورة جدًّا في وسائلها، مواكبة أحدث الوسائل والتقنيات، فليهنأ أصحابها بهذا التطور!

وما أمر أولئك المتشدقين بالدعاوى الزائفة لاستباحة أعراض إخوانهم، بل مشايخهم من الدعاة وطلاب العلم إلا كأمر أولئك الذين خاطبهم أبو هريرة -رضي الله عنه- قائلاً: "يُبصرُ أحدُكم القذاةَ في عين أخيه، وينسى الجِذْلَ -أو الجذْعَ- في عين نفسه؟!" قال أبو عبيد: "الجذل: الخشبة العالية الكبيرة".

إن التفريط في المنهج الإسلامي للتثبت من الأخبار ونقلها، والذي أوصى الله به عباده المؤمنين هو من أعظم الأسباب لهذه الظاهرة الخطيرة، فكم من مظلوم في ماله أو بدنه أو عرضه أو اعتقاده بسبب التساهل في نقل الأخبار وإشاعتها والتشهير بأصحابها.

إ ن مواجهة جريمة التشهير في "الإنترنت" وغيره.. تستند إلى قواعد: شرعية، وإنسانية، وأخلاقية تحتم علينا ضرورة التعامل مع هذا النوع من جرائم التشهير بطريقة أكثر جدية وفاعلية؛ تحفظ الحقوق، وتمنع الاعتداء، وتحقق العدالة في المجتمع، ولا يمكن القبول بتسويغ هذا النوع من التشهير باسم حرية الرأي أو حق استعمال النقد.

والعجيب أنَّ من يُشهِّر بغيره ممن يفوقونه علمًا وقدرًا حينما ينادي بحرية الرأي والتعبير يحاول أن يحتكر ذلك لنفسه ولمن يوافقه فحسب، فلا يسمح لغيره بأن يخالفه الرأي، بل يحاربه ويُشهر به.

لقد اعتنى التشريع الإسلامي بالتأصيل لمجموعة من الأحكام كفل بها حقوق الفرد والمجتمع وضمان الحريات ، وعدم المساس بهذه الحقوق أو النيل من كرامة الأشخاص بوجه عام، فحرم ت الشريعة الإسلامية ترويج الشائعات ، والتشهير بالمسلمين ، وأوجبت ضرورة التثبت من الأخبار قبل نشرها ، وحذَّرت من: الغيبة، والنميمة، وإشاعة الفاحشة، وتتبع عورات المسلمين.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شرعت الحدود والتع زيرات والزواجر ، وجعلت لها من العقوبات والمؤيدات ما يكفل لها التطبيق وتحقيق مقاصد التشريع.

هذا كله ولم يكن في عصر التشريع جريدة، ولا هواتف، ولا كاميرات تجسس، ولا قنوات فضائية، ولا مواقع الكترونية، مما هو أولى وأدعى للوقوف على حجم هذه المشكلة الكبيرة المترامية الأطراف ، والتي لم يسلم منها العلماء فضلاً عن غيرهم !

فقد تعدى الأمر كونه نوعًا من الأذى إلى كونه جريمة خطيرة ماسة بحرية الإنسان ونظام الدولة وسلامتها ، لذلك تحولت طريقة النظر فيها من مجرد الجهة الأخلاقية إلى النظرية التشريعية.

وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن الحاجة تصبح ملحة لوجود أنظمة زاجرة تمنع استخدام مثل هذه التقنيات الحديثة للإساءة والتشهير بالآخرين؛ عملاً بقاعدة: "مـَنْ أمِنَ العقوبَة؛ أساءَ الأدَب"!

الصفحة السابقة