شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

دعوة للحب

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحب عاطفة كريمة، وشعور راق نبيل يُميز الكائنات العاقلة؛ وهو أنواع كثيرة تشمل كل العلاقات الطيبة -مع كل شيء-: مع الله -تعالى-، ومع رسله، ومع الإنسان على تنوع علاقتك به.

وما أعظم النعم التي أعطاك الله... الحياة نعمة، والمال نعمة، والصحة نعمة، والأسرة نعمة، والأصدقاء نعمة... كل هذه النعم مِنْ الله، ومِنْ الله -تعالى- وحده الذي خلقك ورزقك، لو منعها الله منك ما استطاعت قوة في الأرض أن تعيدها إليك.

تأمل في حال كل محروم مما منحك الله من النعم... كثيرون هم؛ ومع ذلك فأنت ترفل في هذه النعم وتتقلب فيها ليلاً ونهارًا، أعطاك الله هذا كله وأكثر منه مما لا تشعر به والذي ربما عندما تحرم منه تدرك قيمته؛ قال الله -تعالى-: ( وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) (إبراهيم:34) ، فالواجب عليك بعد تذكرك لهذه النعم أن يمتلئ قلبك محبة لله وإجلالاً.

ومع ذلك فالحب الحقيقي لله يشمل أيضًا محبتك لخلق الله -تعالى- من حولك مثل: الوالدين، والأبناء، والأزواج، وذوي الأرحام والأقارب والأصدقاء، والجيران والمجتمع؛ بل ومع كل مسلم فهم من خلق الله -تعالى-، وهم من جعل محبتهم من فطرة الله.

نشتاق إن بعدنا عنهم ونهنأ بالقرب منهم؛ ونحزن لحزنهم ونفرح لفرحهم، ونشاطرهم حياتهم بحلوها ومرها...

وهنا يجب أن نحب في الجميع الخصال الطيبة، ونتغاضى وننصح في الخصال الذميمة؛ فالمحب الحقيقي هو الذي يدرك عيوب محبوبه ولا يعميه الهوى عن تقويمه إن احتاج؛ ومع الأسف فقد اختزل البعض الحب في الغزل والتشبيب وإثارة الشهوات المحرمة!

ولقد خرجوا به عن كل الحدود وتخطوا به كل الحواجز فلا حل ولا حرمة، ولا خشية ولا مروءة، ولا عفاف ولا تأدب؛ بل انفرط العقد عندهم، فهم يحبون بلا قيود ولا تعقل، بل وبلا حقيقة؛ فهم يحبون المرأة في شبابها وجمالها وينسونها في شيبها وضعفها، وكذا المرأة تحب الرجل في غناه وشبابه وقوته، وتنساه في ضعفه وفقره ومرضه!

إنه حب مختزل في العلاقة بين الرجل والمرأة؛ وحتى مع هذا فهو ناقص بسبب تلك الانتقائية في اختيار أفضل حالات الجنس الآخر -دون غيرها- ليتم بذلك الحب المزعوم! ولو صدقوا لاستمر ذلك الحب ودام.

وكما أُمِرنا أن نحب الناس فإننا أُمِرنا أن نقتصد في حبنا للبشر بحيث لا يخرج عن حد الاعتدال الذي هو صفة العقلاء وعنوان المؤمنين؛ كما ثبت عن علي -رضي الله عنه- ورواه البعض مرفوعًا: "أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا، عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا"، أي: أحِب باعتدال ودون إسراف لا كما يطلق عليه البعض: الحب بجنون، أو الحب الأعمى، أو العبادة -والعياذ بالله تعالى-!

قَالَ الْمَنَاوِيُّ -رحمه الله- فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: "إِذْ رُبَّمَا اِنْقَلَبَ ذَلِكَ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالأَحْوَالِ بُغْضًا فَلا تَكُونُ قَدْ أَسْرَفْت فِي حُبِّهِ فَتَنْدَمَ عَلَيْهِ إِذَا أَبْغَضْته، أَوْ حُبًّا فَلا تَكُونُ قَدْ أَسْرَفْت فِي بُغْضِهِ فَتَسْتَحْيِيَ مِنْهُ إِذَا أَحْبَبْته".

ولذلك قال الشاعر:

فَهَوْنُك في حب وبغض فربما بدا صاحبٌ من جانبٍ بعد جانبِ

ومع هذا فالإسلام لا يقف حائلاً دون محبة المحبوبات، وإنما يهذب تلك المشاعر ويضبط تلك الشهوات؛ فلا تخرج من إطارها الشرعي فتنفلت إلى الوقوع في المحرمات، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( حُبِّبَ إِلَىَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني) ، فذكر النساء.. أترى حُبب إليه ما يبعده عن ربه؟!

لا والله، بل حبب إليه ما يقربه من ربه، ولقد أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالنساء خيرًا، وأخبر أن إيذائهن ليس من فعل الأخيار؛ فحب النساء ليس عيبًا في ذاته، بل فيما يجر إليه إن لم يضبطه العاقل الحصيف، وكذا بقية ما يحبه الإنسان من الأموال والنفائس والجماليات لا يخرج عن حد الاعتدال، ولا تتعلق به القلوب.

أن تكون محبوبًا:

من نعم الله -تعالى- على الإنسان أن يكون محبوبًا فيشعر بالسعادة والاطمئنان؛ فالإنسان خلق ضعيفًا يحب أن يعضد وجوده بالشعور بحب الآخرين له والتفافهم حوله، فنحن نعلم أن الحياة بين إقبال وإدبار، وبين قوة وضعف؛ والمحب بحق هو الذي يُقبل على حبيبه ويكون معه في جميع أحواله، ويعينه على تقلبات الدنيا وشدائدها ويقف بجواره في محنها، ويكون عضدًا له في فرحها، وهذا أعظم فرق بين نوع محبة الإنسان وبين محبة الله -تعالى- التي لا يعتريها هذا النقص وتلك الحاجة، ومتى رسخت المحبة الحقيقية وعمقت جذورها كان الله هو الغاية، وآثره المرء على كل شيء وضحى من أجله بكل شيء؛ لأنه يجد من حلاوة الإيمان ولذة اليقين، وحسن الصلة بالله ما تصغر، بل تحقر جميع اللذائذ في جانبها.

روى البخاري ومسلم عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ( ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ).

وحبَّب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحب، وكان يتضرع إلى الله -تعالى- ويسأله أن يهبه هذا الحب؛ فمما حفظ من دعائه: ( أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُ إِلَى حُبِّكَ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

ورابط خفي بين أن يحبك الله -تعالى- ويحبك الناس، فالناس خلق الله -تعالى- وأحب الخلق إلى الله -تعالى- أنفعهم لخلقه؛ فكلما نفعتَ الخلق أحبك الخالق.

الصفحة التالية