دعوة للحب
ياسر عبد التواب • التزكية
وهنا عن هذه المسألة يسأل رجل النبي -صلى الله عليه وسلم- كما روى أبو العباس سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِيَ اللَّهُ وَأَحَبَّنِيَ النَّاسُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ ) (رواه ابن ماجه والطبراني، وصححه الألباني) .
ومن مظاهر حبك لله محبتك للرسول -صلوات الله وسلامه عليه-؛ إذ أنه حامل الوحي ومبلغ الرسالة، وقائد الخلق إلى الحق، والهادي إلى الصراط المستقيم؛ صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض.
عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (متفق عليه) .
وعن عبد الله بن هشام قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( لاَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ). فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَإِنَّهُ الآنَ وَاللَّهِ لأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( الآنَ يَا عُمَرُ ) (رواه البخاري) .
يقول الأستاذ سيد قطب -رحمه الله تعالى- معلقًا على الحديث: "وليست هذه كلمة تقال، ولكنها مرتقى عال لا يصل إليه القلب إلا بلمسة لدنية مباشرة تفتحه على هذا الأفق السامي الوضيء؛ الذي يخلص فيه من جاذبية الذات وحبها المتوشج بالحنايا والشعاب؛ فإن الإنسان ليحب ذاته ويحب كل ما يتعلق بها حبًا فوق ما يتصور، وفوق ما يدرك! وإنه ليخيل إليه أحيانًا أنه طوّع مشاعره وراض نفسه، وخفَّض من غلوائه في حب ذاته، ثم ما يكاد يمس في شخصيته بما يخدش اعتزازه بها حتى ينتفض فجأة كما لو كانت قد لدغته أفعى! ويحس لهذه المسة لذعًا لا يملك انفعاله معه؛ فإن ملكه كمن في مشاعره وغار في أعماقه! ولقد يروض نفسه على التضحية بحياته كلها، ولكنه يصعب عليه أن يروضها على تقبل المساس بشخصيته فيما يعده تصغيرًا لها، أو عيبًا لشيء من خصائصها أو نقدًا لسمة من سماتها، أو تنقصًا لصفة من صفاتها" انتهى .
وقد قُتِل أبو امرأة من الأنصار، وأخوها، وزوجها يوم أحد فأخبروها بذلك. فقالت: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!
قالوا: هو كما تحبين.
قالت: أرونيه حتى أنظره؛ فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك صغيرة!
ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة -وكانوا قد أسروه- ليقتلوه؛ قال له أبو سفيان: أنشدك الله -أي سألتك به- يا زيد... أتحب أن محمدًا الآن مكانك تضرب عنقه وأنك في أهلك؟!
فقال زيد: والله ما أحب أن محمدًا في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني لجالس في أهلي!
فقال أبو سفيان: ما رأيت أحدًا من الناس يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا!
دعوة للحب:
دعني أذكر لك بعض الدرر العظيمة التي جاء بها الإسلام للبشرية؛ لتكتشف جوانب السمو فيما يدعو إليه الإسلام، ولتعلم أن ديننا يدعوك لأن تُحِب... ! تحب ربك وتحب غيرك.
ولذلك دعني أيضًا أذكر لك ما ورد في القرآن مما يبين رحمة الله الواسعة:
قال الله -تعالى-: ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ) (الأعراف:156) .
وَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِسَبْي فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي تَبْتَغِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ ). قُلْنَا: لاَ وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ) (متفق عليه) .
وهذه الرحمة نجدها واضحة جلية في كل ما حولنا من أشياء، من: طعام وشراب، وهواء وماء، وأناس وعلاقات، ومن تشريع رحيم فيه العذر: للمريض، والضعيف، والمكره، وفيه مضاعفة للحسنات وغفران للسيئات، وقبول للتوبة، ومواسم لمضاعفة الأجر، ثم في جنة عرضها السموات والأرض ينالها الإنسان -وهي سلعة غالية- بعمل قليل وجهد يسير لا يتناسب مع ما فيها من نعيم وخلود؛ كل ذلك يدعونا لنحب ربنا فهيا نتأمل في بعض نعمه مما في كتابه -سبحانه وتعالى-.
ففي جانب تعامل الله مع خلقه وحبه لهم يبشرنا الله بقوله -تعالى-: ( مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ) (النساء:147) ، وفيها أن الله يحب من الناس أن يؤمنوا به ويشكروه؛ فإن فعلوا أكرمهم وبارك لهم، فالله -تعالى- يريد بنا كل خير، ولتطلع على رحمته بك وحبه لك تأمل مثلاً في الآيات: ( يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (النساء:26) ، ( يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (البقرة:185) .