شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

بناء يقاوم الزلازل

أحمد شكري • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الله -تعالى- ما أنزل الكتب ولا أرسل الرسل ولا فرض الفرائض وشرع الشرائع وحدَّ الحدود لينتفع بشيء من ذلك -سبحانه وبحمده-؛ فهو الغني الحميد؛ وإنما جعل ذلك لنفع عباده؛ حتى تزكو نفوسهم، وتطهر قلوبهم، وتسمو أرواحهم، ويفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة، كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) (فاطر:18) ، وقال في الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا ) (رواه مسلم) .

ولذلك فمن أعظم نعم الله -تعالى- علينا أن أرسل إلينا نبيه الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وأنزل عليه كلامه، وجعل خلاصة دعوته تزكية النفوس، فقال -تعالى-: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (آل عمران:164) ، ولذلك فمن الضروري بيان أهمية الجانب التربوي كركن أساس من أركان الشخصية المسلمة المنشودة.

ضرورة الاهتمام بالجانب التربوي وتزكية النفوس:

ربط الله -تعالى- بين الفلاح في الدنيا والآخرة وتزكية النفس؛ فقال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ) (الأعلى:14) ، وأكد -سبحانه- هذه الحقيقة فأقسم عليها بأطول قسم في القران الكريم، فقال -تعالى-: ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا . وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا . وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاهَا . وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا . وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا . وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا . وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:1-10) .

وتدعو الضرورة الشرعية والضرورة الواقعية إلى الاهتمام بالتزكية:

أما الضرورة الشرعية:

فقد خلق الله -تعالى- الخير والشر وخلطهما في الدنيا، ثم قدّر أن يكون الخير بحذافيره في الجنة، وأن يكون الشر بحذافيره في النار، فمن أفلح أن يُنَقِّيَ نفسه من الشرور التي فيها دخل الجنة لأول وهلة، ومن طغت على نفسه الشرور استحق النار -والعياذ بالله-، ومَن كان فيه مِن هذا وهذا دخل النار بعض الوقت لتتم تنقيته مما بقي فيه من الشرور -إلا أن يشاء الله-، فنجاة العبد من النار وفوزه بالجنة منوط بمدى نجاحه في تزكية نفسه.

بل الأمر أبعد من ذلك؛ فدرجات العبد في الجنة على قدر تزكيته لنفسه؛ فكلما زكَّى نفسه في الدنيا أكثر كلما ارتفعت درجته في الجنة أعلى، كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى . جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ) (طه:75-76) ، وفي هذه الآيات التصريح بكون التزكية إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، وقد ربط الله -تعالى- بين كل خير في الدنيا والآخرة من جهة والإيمان والعمل الصالح من جهة؛ فالعمل الصالح هو سبب دخول الجنة، كما قال -تعالى-: ( وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (الزخرف:72) .

وكذلك فإن حقيقة التزكية هي الوصول بالنفس إلى التقوى، كما قال -تعالى-: ( فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:8-10) ، أي: فاز بكل مطلوب ونجا من كل مكروه من أنماها وأعلاها بالتقوى، وخسر من نقصها وأخفاها بالفجور، فربط الله -تعالى- بين التزكية والتقوى كما ربط بين التدسية والفجور، فالعملية التربوية هي تزكية النفس، والمقصد منها تحقيق التقوى، ومن هنا تظهر أهمية تزكية النفس وتربيتها على معاني التقوى؛ حيث ربط الله -تعالى- كل خير في الدنيا والآخرة بتحقيق التقوى؛ فالمتقين يحبهم الله -تعالى-، ويدخلهم الجنة، ويرفع درجاتهم فيها، مع ما يحفظهم في الدنيا ويتولاهم.

وأما الضرورة الواقعية فتفصيلها كالتالي:

أولاً: واقع العالم من حولنا:

وذلك لانتشار الحضارة الغربية العوراء التي تسببت في هذا الطغيان المادي المعاصر، وما نشأ عنه من جفاف الروح والانسياق وراء الشهوات، حتى لقد فقد كل شيء طعمه ومذاقه، ونضرب لذلك مثلاً واحدًا لعدم الإطالة:

خسوف الشمس: هو في الحقيقة رسالة ربانية للعباد لتجديد التوبة واستئناف المسير إلى الله -تعالى- على الوجه الذي يُرضيه، أما الآن فمع التفسير المادي لهذه الظاهرة بأنها مجرد اعتراض القمر بين الشمس والأرض لم يعد لقلوب الناس الآن تلك المقدرة على فهم تلك الرسائل لإيقاظ معاني الخوف من الله -تعالى-، وكأن قدرتهم على التنبؤ بموعد الكسوف تنفي كونه رسالة ربانية لتخويف العباد، مع أن الله -تعالى- هو الذي خلق الأرض والشمس والقمر، وهو الذي قدَّر مسار كل منها، وهو الذي قدر موعد حصول هذا الكسوف.

ثانيًا: واقع العالم الإسلامي:

يعاني العالم الإسلامي من بُعد شديد عن الإسلام مما يجعل التمسك بالإسلام عسيرًا إلا على مَن يسره الله عليه، وهنا نحتاج إلى بناء أفراد أقوياء قادرين بعون الله -تعالى- على الالتزام بالإسلام وسط هذه الغربة.

ثالثًا: واقع الملتزمين بالإسلام:

الصفحة التالية