بناء يقاوم الزلازل
أحمد شكري • التزكية
انتشر بين الملتزمين ظاهرة "الالتزام الأجوف" أو بتعبير آخر "الالتزام الظاهري"، فتجد بين الملتزمين أنواعًا من السلوكيات المرفوضة مع التقصير الظاهر في النوافل والأوراد فضلاً عن بعض الفرائض أيضًا، وما يقومون به من أنواع الطاعات يؤدونه أداءً روتينيًّا بحيث تحولت العبادة إلى عادة، مما يؤكد ضرورة الاهتمام بالجانب التربوي والتركيز على تزكية النفس؛ لمواجهة ظاهرة التضخم الكمي في أعداد الملتزمين على حساب النمو الكيفي.
رابعًا: واقع الدعاة إلى الله -تعالى- وقادة الصحوة:
كثير من قادة الصحوة ينصبُّ اهتمامهم على الجانب العلمي مع إهمال الجانب التربوي، وليس الخطأ هو في الاهتمام بالجانب العلمي؛ فهو أمر مطلوب؛ وإنما الخطأ في إهمال الجانب التربوي، فتجد من يشرح لبعض الطلبة فروع علم مصطلح الحديث -مثلاً- وهو لم يربيهم على الورع عن الغيبة والنميمة التي قد تهلكهم وتمزق الصف من حوله، وتجد من يظل نهاره أجمع يرد على شبهات الجهمية والأشاعرة في نفي النزول الإلهي، ثم تجده في وقت النزول الإلهي نائمًا، مع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد أخبرنا بأن الله -تعالى- ينزل إلى السماء الدنيا لا ليرد على الجهمية، ولا ليعلمنا أن صفات الله -تعالى- منها الذاتية ومنها الفعلية؛ وإنما كان هدفه الواضح الذي لا غموض فيه أن يدعونا للقيام في هذه الساعة والاجتهاد في الدعاء فيها، ونسأل الله -تعالى- أن يسترنا ولا يفضحنا، والحق أن طالب العلم هو أحوج الناس إلى تزكية النفس؛ إذ هي أكبر مُعين على حفظ العلم وعمق الفهم، وبها يورثه الله علم ما لم يعلم، ويبارك له في وقته وعلمه.
وبعض الدعاة ينصبُّ اهتمامهم على الجانب الدعوي والحركي مع إهمال الجانب التربوي، وليس الخطأ هو في الاهتمام بالجانب الحركي والدعوي؛ فهو أمر مطلوب؛ وإنما الخطأ في إهمال الجانب التربوي، فتجد من يدعو شابًّا إلى الخروج للدعوة وهو ما زال لا يحسن أركان الإسلام، وتجد من يخرج إلى الدعوة ويرهق نفسه فيها ثم يضيع عليه ورده من القرآن أو حتى بعض الصلوات مع الجماعة، هذا فضلاً عن حب الظهور وغير ذلك من الآفات المهلكة، والحق أن تزكية النفس هي أعظم أسباب نجاح الدعوة وانشراح صدور الناس لها؛ إذ الدعوة بالقدوة قبل الدعوة بالكلمة، والداعية وثيق الصلة بالله يبارك الله -تعالى- في جهده ويضع له القبول في الأرض.
حتى من اتخذوا تيار الجهاد في سبيل الله -تعالى- من أفراد الصحوة لجهاد الأمريكان ومن شابههم في أفغانستان والعراق وغيرها تجد أن إهمال الجانب التربوي أدى بهم إلى انحرافات في غاية الخطورة بدأت باحتقار العلماء، وكذلك قيامهم بأعمال لمجرد إثبات الوجود، إلى أن تحوَّل الأمر عندهم من أعظم القربات -وهو الجهاد- إلى أعظم المنكرات وهي الجرأة على الدماء، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا جميعًا إلى سواء السبيل.
والحق أن القران الكريم قد ربط بين نجاح المجاهدين في تزكية أنفسهم وتوفيقهم في النصر على عدوهم، كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) (آل عمران:152) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (الأنفال:45).
وقد بين الله -تعالى- السبيل لتغيير هذا الواقع المرير على كل المستويات، وهو يبدأ من إصلاح النفس، كما قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) .
وتتجلى أهمية هذا الموضوع من خلال بيان اهتمام السلف الصالح بتزكية النفوس؛ فقد اعتنوا بالجانب السلوكي والأخلاقي علمًا وفقهًا، كما حققوه عملاً وهديًا، فأفردوا كتبًا مستقلة في الزهد والرقائق ونحوهما، وكذلك ضمنوها كتب السنة المرتبة على الأبواب، بل إن أئمة السلف يوردون الصفات السلوكية والأخلاقية لأهل السنة في ثنايا كتب العقيدة، كما قال الإسماعيلي (ت371هـ) في اعتقاد أهل السنة: "ويرون مجانبة البدعة، والآثام، والفخر، والتكبر، والعجب، والخيانة، والدغل، والاغتيال، والسعاية، ويرون كف الأذى، وترك الغيبة".
وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الصابوني (ت449هـ) في عقيدة السلف: "ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات المكتوبات، وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات، ويتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، ويتحابون في الدين، ويتباغضون فيه".
وهكذا يظهر مدى عناية السلف بالبناء التربوي، وأن المنهج السلفي يشمل الظاهر والباطن والعقيدة والسلوك، ولذلك فمن ضروريات التمسك بالمنهج السلفي أن نعود إلى ما كان عليه السلف من قوة الإيمان وروحانية التعبد وسموّ الأخلاق.
فاللهم اهدنا لأحسن الأعمال والأخلاق، واصرف عنا سيئها؛ لا يهدي لصالحها ولا يصرف عن سيئها إلا أنت، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.