سمعت الوحي.. فهل استجبت أم أعرضت
معتز رضا • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن السمع نعمة عظيمة جليلة امتن الله -تعالى- بها على عباده؛ فقال -سبحانه-: ( وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) (المؤمنون:78) ، وقال -تعالى-: ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ) (الملك:23) .
قوله -تعالى-: (قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ): أي: "وما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم". "تفسير ابن كثير 5/488. ط/ دار طيبة، ط2" .
وقال -عز وجل-: ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (النحل:78) .
قوله -تعالى-: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ): "أي: تعرفون حقوق نعمه الجليلة فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد". "تفسير أبي السعود 5/103. ط/ إحياء التراث" .
فشُكر نعمة السمع يكون باستخدامها للتوصل لرضى الله -عز وجل-، وليس بالاقتصار على الشكر باللسان فقط، ومما يعين العبدَ على ذلك أن يوقن أنه مسئول عن نعمة السمع ماذا عمل فيها؛ كما قال الله -تعالى-: ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ) (الإسراء:36) . "أي: سيُسأل العبد عنها يوم القيامة، وتُسأل عنه وعما عمل فيها". "تفسير ابن كثير 5/75" .
وقد ضحك النبي -صلى الله عليه وسلم- ذات مرة، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا تسألوني من أي شيء ضحكت؟ عَجِبْتُ من مجادلة العبد ربَّه يوم القيامة؛ يقول: يا رب أليس وعدتني ألا تظلمني؟ قال: بلى. قال: فإني لا أقبل عليَّ شهادةَ شاهدٍ إلا من نفسي. فيقول: أوليس كفى بي شهيدًا وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ فيردد هذا مرات فيختم على فيه وتتكلم أركانُه بما كان يعمل؛ فيقول: بُعدًا لَكُنَّ وسحقًا فَعَنكُن كنتُ أجادل ) (أخرجه البزار، والحاكم وصححه) .
والمُتدبر للقرآن الكريم يلحظ ورود آيات كثيرة تتكلم عن حال الناس في شكر هذه النعمة، ويظهر الفرق جليًّا عند سماعهم الوحي، وردِّ فعلهم إزاء ذلك السماع؛ مما يجعل الحصيف يسأل نفسه عن حاله عند سماع الوحي؛ من أي فريق هو؛ هل من فريق المعرضين؟ أم من فريق المُقبلين؟ أم تمده مادتان؟ وهل أدى شكر هذه النعمة العظيمة أم لا؟
إن السمع يأتي ويراد به أربعة معان:
أحدهما: سمع إدراك ويتعلق بالأصوات. ومنه قول الله -تعالى-: ( قد سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ) (المجادلة:1) .
الثاني: سمع فـَهم وعقل، ويتعلق بالمعاني، ومنه قوله -تعالى-: ( لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا ) (البقرة:104) ؛ ليس المراد سمع مجرد الكلام، بل سمع الفهم والعقل.
الثالث: سمع إجابة وإعطاء ما سئل، ومنه قول المصلِّي: "سمع الله لمن حمده". أي: أجاب.
الرابع: سمع قبول وانقياد؛ ومنه قوله -تعالى-: ( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ) (المائدة:41) ، أي: قابلون له ومنقادون غير منكرين له" "باختصار مِن بدائع الفوائد، لابن القيم، 2/308. ط نزار الباز" .
فالمؤمنون يدركون ويفهمون ويعقلون ويجيبون نداء الوحي ويقبلونه وينقادون له، أما الكفار فيدركون الصوت فحسب؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُون ) (البقرة:171) .
فهُم كما قال عكرمة -رحمه الله-: "مثل البعير أو مثل الحمار، تدعوه فيسمع الصوت ولا يفقه ما تقول" "تفسير الطبري 3/308. ط مؤسسة الرسالة" .
وفيما يلي عرْضٌ لحال مَنْ رضي الله عنهم عندما يسمعون الوحي، وإظهار مدى استجابتهم له، بعكس الذين سخط الله عليهم.
أولاً: حال مَنْ رضي الله عنهم عندما يسمعون الوحي:
1- الطاعة والتسليم وعدم الاستكبار: قال الله -تعالى-: ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير ) (البقرة:285) .
( وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ): "أي: سمعنا قولك يا ربنا وفهمناه، وقمنا به وامتثلنا العمل بمقتضاه" "تفسير ابن كثير 1/736" .
و"قولهم: ( سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) إقرار منهم بركني الإيمان الذي لا يقوم إلا بهما: وهُما السمع المتضمن للقبول؛ لا مجرد سمع الإدراك المشترك بين المؤمنين والكفار؛ بل سمع الفهم والقبول، والثاني: الطاعة المتضمنة لكمال الانقياد وامتثال الأمر، وهذا عكس قول الأمة الغضبية: "سمعنا وعصينا"؛ فتضمنت هذه الكلمات كمال إيمانهم وكمال قبولهم وكمال انقيادهم" "مجموع الفتاوى لابن تيمية 14/136" .
وقال -تعالى- عن المؤمنين: ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ) (آل عمران:193) .
وقد قيل: إن المنادي هو القرآن. وقيل: إنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، و"تأويل الآية: ( رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ )، أي: إلى التصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك -صلى الله عليه وسلم-، وطاعته فيما أمرنا به، ونهانا عنه مما جاء به من عندك؛ ( فَآمَنَّا رَبَّنَا ): فصدقنا بذلك يا ربنا؛ ( فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ): أي: فاستر علينا خطايانا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رءوس الأشهاد، بعقوبتك إيانا عليها، ولكن كفـّرها عنا، وسيئات أعمالنا: فامحها بفضلك ورحمتك إيانا، ( وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ ): أي واقبضنا إليك في عداد الأبرار، واحشرنا محشرهم ومعهم" "تفسير الطبري، 7/482" .
"وقال الله -تعالى- عن مؤمني الجن: ( وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا ) (الجن:13) .