الطريق إلى الولد الصالح 8- التربية الإيمانية في مرحلة الطفولة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيكاد يُجمع علماء النفس والتربية على أن 90% من العملية التربوية للطفل وما سوف يؤول إليه من اتجاهات انفعالية ومزاجية تتحدد في السنوات الأولى من عمره؛ لأسبابٍ منها:
- أن تكوين العادة في الصغر أيسر بكثير من تكوينها في الكبر، قال علي -رضي الله عنه-: "قلب الحدث كالأراضي الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته" "أدب الدنيا والدين ص34" .
قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "أقوم التقويم ما كان في الصغر، فأما إذا ترك الولد وطبعه فنشأ عليه ومُرن؛ كان رده صعبًا.
قال الشاعر:
إن الغصون إذا قومتها اعتدلـت ولا يـلـيـن إذا قـــومـتـه الخـــشـب
قد ينفع الأدب الأحداث في مهل وليس ينفع في ذي الشيبة الأدب"
وقال الماوردي -رحمه الله-: "فأما التأديب اللازم للأب فهو أن يأخذ ولده بمبادئ الآداب ليأنس بها، وينشأ عليها؛ فيسهل عليه قبولها عند الكبر؛ لاستئناسه بمبادئها في الصغر؛ لأن نشأة الصغير على شيء تجعله متطبعًا به، ومن أُغفِل في الصغر؛ كان تأديبه في الكبر عسيرًا...".
وقال بعض الحكماء: "بادروا بتأديب الأطفال قبل تراكم الأشغال وتفرّق البال".
قال الشاعر:
ينشا الصغير على ما كان والده إن الأصول عليها ينبت الشجر
وقال أحمد شوقي:
قد ينفع الإصلاح والتهذيـ ب فـي عـــهــد الــصــغــر
والنشء إن أهمـلته طفـلاً تــعـــثــر فــــي الــكـبـــــر
- ولأن الطفل يميل في هذه الفترة إلى إرضاء والديه، ويحاول أن يستخرج منهما عبارات الثناء والإعجاب.
- ولأنها فترة طويلة يتمكن الوالد من خلالها غرس ما يريده الشرع منه في نفس طفله، ويكتشف عالمه، ومن ثمَّ يوجهه التوجيه السليم الذي يؤدي من خلاله الرسالة التي من أجلها خُلق؛ قال الله -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (الذاريات:56-58) .
- ومن العلماء من يرى توجيه الطفل منذ نعومة أظفاره -وهذا صحيح- كما سبق وأن بيناه في فترة الرضاع.
- وينبغي أن يُعلم أن مرحلة الطفولة ليست مرحلة تكليف، إنما هي مرحلة إعداد وتدريب وتعويد للوصول إلى مرحلة التكليف عند البلوغ بسلام، وتعوُّد على فعل الفرائض والواجبات وترك المحرمات، والقيام بالدين التزامًا به، ودعوة إليه.
- فعلى الوالدين أن يقوما بمسئولية التربية والتوجيه، خاصة التربية الإيمانية التي بمثابة البناء لغيره من أنواع التربية، والتي تكون بها الحياة الطيبة في الدنيا والفوز والفلاح في الآخرة.
- نصح ابن عمر -رضي الله عنهما- رجلاً فقال له: "أدب ولدك؛ فإنك مسئول عن ولدك: ماذا أدبته؟ وماذا علمته؟ وإنه لمسئول عن برك وطواعيته لك".
- وذكر الله -تعالى- لنا في كتابه اهتمام إبراهيم -عليه السلام- بعقيدة أبنائه، ودعائه لهم أن يجنبهم الله -تعالى- الشرك، قال الله -تعالى-: ( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ ) (إبراهيم:35) ، وقال الله -تعالى-: ( وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:132) .
ويذكر الله -تعالى- هذا المشهد المهيب العجيب عندما حضر يعقوب الموت.. بأي شيء يوصي؟ وعلى أي شيء يطمئن؟
قال الله -تعالى-: ( أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) (البقرة:133) .
فهذا هو المهم الأكبر لكل والد تجاه ولده؛ أن يهتم بدينه وإيمانه.
وهذه خطوات وإرشادات لتربية ولدك إيمانيًّا في مرحلة الطفولة، نسأل الله -تعالى- أن يهدينا فيها إلى الرشاد، وأن يوفقنا للعمل بها، وأن يُصلح لنا أولادنا وأولاد المسلمين. آمين.
إيقاظ الفطرة:
- إن أوجب الواجبات على الوالدين ربط ولدهما بالله -تعالى-، وإيقاظ الفطرة التي فطره الله -تعالى- عليها، وتهذيبها بما يحبه الله -سبحانه وتعالى- ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وفق منهج السلف الصالح -رضي الله عنهم-، قال الله -تعالى-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (الروم:30) .
"قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ( لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) أي: لدين الله، والمعنى: لا تبدلوا خلق الله، فتغيروا الناس عن فطرتهم التي فطرهم الله عليها، ويكون المعنى: خبر بمعنى النهي، وهو معنى حسن صحيح.
وقال آخرون: هي خبر على بابه، والمعنى: أن الله -تعالى- ساوى بين خلقه كلهم في الفطرة على الجبلة المستقيمة، لا يولد أحد إلا على ذلك، والفطرة هي: الإسلام، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّـرَانِـهِ وَيُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَـلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟! ) (متفق عليه) " انتهى باختصار من "تفسير ابن كثير -رحمه الله- 3/447 " . وقيل: الفطرة هي: الإقرار بمعرفة الله -تعالى-.
- وعليه؛ فتحرص الأم على أن ينطق طفلها أول نطقه: "لا إله إلا الله"، كما قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "كانوا يستحبون أن يُلقن الطفل: "لا إله إلا الله" سبع مرات عندما يُعرب لسانه عن الكلام؛ ليكون أول ما ينطق به" ذكره البغوي في "شرح السنة" .