الطريق إلى الولد الصالح 8- التربية الإيمانية في مرحلة الطفولة
عصام حسنين • المرأة والأسرة
- وعند إرضاعه ومناغاته تردد على مسامعه اسم "الله" -تعالى- حتى ينطق بها، وتقول له: أين الله؟ وتشير بيده إلى السماء، وتقول: "فوق"، ومع التعود وتفطن الطفل إذا سئل قال: "فوق"، وهذه عقيدة العلو التي يجب إثباتها لله -تعالى- كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: للجارية: ( أَيْنَ اللَّهُ؟ )، قَالَتْ: "فِي السَّمَاءِ"، قَالَ: ( مَنْ أَنَا؟ )، قَالَتْ: "أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ"، قَالَ: ( أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ ) (رواه مسلم) .
وهذا أمر مُجرب، وثبت نجاحه -ولله الحمد-.
قال ابن القيم -رحمه الله-: "فإذا كان وقت نطقهم فليلقنوا: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، وليكن أول ما يقرع مسامعهم معـرفـة الله -سبحـانه- وتوحيده، وأنه -سبحانه- فـوق عـرشه يـنظر إليهـم، ويسمع كلامهـم، وهـو معهم أينما كانوا، وكان بنو إسرائيل كثيرًا ما يسمون أولادهم به "عمان ويل"، ومعنى هذه الكلمة: إلهنا معنا، ولهذا أحب الأسماء إلى الله: "عبد الله، وعبد الرحمن"؛ بحيث إذا وعى الطفل وعقل؛ علم أنه عبد الله، وأن الله هو سيده ومولاه" اهـ من "تحفة المودود" .
ويقول الغزالي -رحمه الله-: "واعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يُقدم إلى الصبي في أول نشوئه؛ ليحفظه حفظًا، ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئًا فشيئًا، فابتداؤه الحفظ، ثم الفهم، ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان، فمن فضل الله -تعالى- على قلب الإنسان أن شرحه في أول أمر نشوئه للإيمان من غير حاجة إلى حجة أو برهان" اهـ من "الإحياء 1/94" .
- وتتعلم المرأة المسلمة ذلك من أم سليم -رضي الله عنها- فإنها لما آمنت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان زوجها مالك غائبًا فقال: "أصبوتِ؟"، قالت: "ما صبوت، ولكن آمنت".
وجعلت تلقن أنسًا قل: "لا إله إلا الله"، قل: "أشهد أن محمدًا رسول الله"، ففعل.
فيقول لها أبوه: "لا تفسدي عليَّ ابني"، فتقول: "إني لا أفسده".
فخرج مالك فلقيه عدو له فقتله، فقالت: "لا جرم، لا أفطم أنسًا حتى يدع الثدي، ولا أتزوج حتى يأمرني أنس"، فخطبها أبو طلحة -وهو يومئذ مشرك-، فقالت: "إني قد آمنت، فإن تابعتني؛ تزوجتك".
قال: "فأنا على مثل ما أنتِ عليه"، فتزوجته، وكان صداقها الإسلام -رضي الله عنها-" اهـ من "سير أعلام النبلاء "ترجمة أم سليم" .
- وننمي عنده الإيمان بالله -تعالى-، وحبه بتحبيب الله -تعالى- إليه؛ فيُعطى ما يحب من طعام وشراب وحلوى، ويقال له: "الذي أعطاك هذا الشيء هو الله -تعالى-"، ويكرر ذلك على مسامعه.
- وإن صاحبه في طريق أو متنزه يلفته إلى خلق الله -تعالى- من: السماء والأرض، والشمس والقمر، والأشجار والأنهار، ويقول له: "إن خالق هذه الأشياء الجميلة هو الله -تعالى-"، ويسأله: "من خالق السماء؟"، فيقول: "الله -تعالى-"، "من خالق الأرض والأشجار؟"، فيقول: "الله -تعالى-".
ويُركز على ذلك خاصة في سن السابعة؛ لأنه يميل إلى التأمل والعزلة. "توجيهات تربوية" .
وأما الولد المميز الذي حصَّل عن طريق المدرسة بعض المعلومات من مادة العلوم وغيرها؛ فيستخدم معه أسلوب الحوار المباشر؛ فيسأله عن عملية الإنبات، ومن خلال جواب الطفل يربطه بالله -تعالى-، وأن الله -تعالى- هو الذي أنزل المطر من السماء، وأنه -تعالى- الذي أنبت الزرع بقدرته وبرحمته ولطفه بعباده، ولذلك؛ يجب أن يحمد ويحب ويطاع. "مسئولية الأب المسلم" بتصرف .
كما يحِّدثه عن عجائب صنع الله في مخلوقاته، ويكرر أثناء كلامه تمجيد الله وتعظيمه: "الله -سبحانه وتعالى-"، "الله -عز وجل-"...
- ولا يسمح له إذا ذكر الله -تعالى- إلا بتمجيده وتعظيمه.
- ويستغل كل فرصة لغرس محبة الله -تعالى- في نفس الطفل.
- وأن تحفـِّظه سورة "الإخلاص" التي هي صفة الله -تعالى- التي يحب الله -تعالى- من أحبها كما ورد في حديث الأنصاري -رضي الله عنه-.
- وأن تحفـِّظه أسماء الله الحسنى، وتشرح له بطريقة مبسطة.
- وأن يُعلـمه أن الله -تعالى- قـريب منـا، يرانا ويسمعنا، ومطلع على أحوالنا، ولذلك؛ فلابد من مراقبته في أقوالنا وأفعالنا، ولا بد أن يرانا على ما يحبه ويرضاه، كما قال الله -تعالى- عن لقمان وهو يعظ ابنه: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان:16) .
وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عباس -رضي الله عنهما- وهو رديفه يومًا: ( يَا غُلاَمُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ؛ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ؛ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ؛ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ؛ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ؛ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .
- وهذا يمكن تحقيقه في سن التمييز؛ إذ يمكنه أن يفكر بصورة مجردة، ويُدرك تلك المعاني، وأما إذا قارب سن البلوغ فإنه يسلك معه الأسلوب المباشر فيذكر له الآيات والأحاديث التي تحض على مراقبة الله -تعالى-، وذلك في الجلسات الخاصة والأوقات المناسبة.