الملك "هنري الثامن"، والممثلة "هالة صدقي"، والطلاق النصراني
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
(3) يزعم رجال الدين النصراني أن الحكم بعدم الطلاق إلا لعلة الزنا ليس فيه مشقة؛ لأنه لو أحسن الطرفان الاختيار لما احتاجا إلى الطلاق بعد، مع أن هذه الحجة لو صحت لكان أول ما ينبغي ألا يلتفت إليه هو الطلاق لعلة الزنا؛ لأنه لا يكاد يخفى أمر أصحاب العفاف من أصحاب الزنا، ولكن السؤال هو: أنه يحدث واقعًا أن يخطئ الإنسان التقدير أو أن يكون الأمر ببلاء قدري: كالعقم، والعجز، والأمراض العقلية والنفسية، ولكن الذي لا يُتصور أن يقدم رجل دين على عقد زواج يعتقد أنه لا يمكن نقضه مع أنه يعرف أن أحد الطرفين "بتاع مشاكل"!
(4) بغض النظر عن الصراع القانوني الدائر بين جميع الأطراف؛ هل يستطيع أحد أن يجيب هذا الرجل -وغيره كثيرين-: هل يستطيع أن يكون أرثوذكسيًا، وفي نفس الوقت يستطيع أن يحصل على حقه الطبيعي في الزواج والإنجاب؟! وماذا لو أنه اتجه إلى الزنا ثم ذهب إلى الاعتراف أمام القس بأنه يضعف أمام شهوته؛ هل سينصحه بالزواج المستحيل، أم يقبل اعترافه، أم ماذا؟!
(5) من الفروق الجوهرية بين الإسلام و النصرانية مسألة "الأسرار السبعة" في الكنيسة التي لا يعرفها إلا "رجال الكهنوت"، وأما عامة أتباع هذه الديانة فلا يعرفونها، ولكن المعلن أن الزواج أحد أسرار الكنيسة السبعة؛ بينما الطلاق من المفترض أن له قاعدته المعروفة، وهي غير منطبقة على حالة هذه الممثلة.
(6) يعتبر الكاثوليك أشد الطوائف النصرانية في باب رفض الطلاق حتى صاروا مضرب المثل، فيقولون عن الأشياء التي لا تقبل الحل: "زواج كاثوليكي"؛ لأنهم لا يقرونه حتى في حالة الزنا، ولكنهم يستعيضون عنه بما يسمونه: "الانفصال الجسدي"، وهو زوال كل مظاهر الزوجية بين الزوجين بيد أنهما في عرف الكنيسة ما زالا زوجين أمام الله!
ومن ثمَّ لا يحصلون على تصاريح زواج ثانية، بيد أن الكنيسة الكاثوليكية قد توسعت في حالات الانفصال الجسدي، ولم تقصرها على حالة الزنا.
(7) تتناسب درجة الحساسية لكل ما هو إسلامي طرديًا مع تصاعد الدور السياسي لبطريرك الأرثوذكس، ورغبته في تغيير وضيعته من رئيس ديني لأهل ديانته إلى رئيس سياسي لهم مع أن هذا ينافى الإنجيل الذي يقول: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، إلا أنها الرغبة العارمة لدى البطريرك الحالي للأرثوذكس في لعب دور الزعيم السياسي للطائفة، والذي تصاعد حتى أخذ صورة من صور الحكم الذاتي من جانب واحد أو "الدولة داخل الدولة" كما يقولون، وإلا فقد تتابع على هذا المنصب أربعة قبله كلهم قَبِلَ بلائحة 38، وعمل بها، وهم: "يؤانس" الذي أقرت اللائحة في عصره، و"مكاريوس"، و"يوساب"، و"كيرلس"، حتى جاء البطريرك الحالي بتوجهاته السياسية.
وإذا كانت الكنيسة ترفض لائحة 38 بزعم مخالفتها للإنجيل؛ فبماذا نفسر تصريح رئيس المجلس الملي العام بكفر من يتحاكم إلى القانون المصري في الميراث؛ لأنه يحكم بالشريعة الإسلامية، وطالب بأن يرجعوا إلى أي كاهن يقسم بينهم الميراث بالتساوي أو يفضل الأكثر حاجة، مع أن الكنيسة تعتمد القول بعدم وجود نظام توزيع للإرث في النصرانية بناء على نص إنجيلي يُنسب لعيسى -عليه السلام- امتناعه عن إتمام قسمة الميراث بين رجل وأخيه، مع أن هذا النص ليس فيه إلغاء شريعة التوراة في الميراث، ولكن فيه الامتناع من القسمة، والفرق بينهما ظاهر كما لا يخفى.
والظاهر أن الكنيسة عمدت إلى ترك التشريع التوراتي في الميراث؛ لأنه لا يُورث البنت إلا في حالة عدم وجود أي أبناء؛ فلو مات رجل وترك ابنًا ذكرًا وعشرة بنات انفرد الذكر بالميراث دونهن؛ ناهيك عن إهماله لميراث الزوجة، مما يضع الكنيسة في موضع المُخل بحقوق المرأة في الميراث، ويُسكت صوتها في الاعتراض على شريعة الإسلام في جعل ميراث المرأة على النصف من ميراث الرجل!
الحاصل: أن الكنائس النصرانية اتفقت على اعتبار الميراث شأنًا مدنيًا محضًا يُحكم فيه بأي تشريع وضعي، ولكن رئيس المجلس الملي عندنا اعتبر التحاكم إلى قانون الميراث المصري كفرًا؛ لأنه مستمد من الشريعة الإسلامية!