شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الملك "هنري الثامن"، والممثلة "هالة صدقي"، والطلاق النصراني

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الثاني: النص يشير صراحة إلى صعوبة هذا الحكم حتى على الحواريين الذين رأوا -وفق هذه الرواية الإنجيلية- أن ترك الزواج أولى من الزواج الذي لا سبيل من التخلص منه حال فشله؛ فهل يمكن أن يكون هذا هو دين المحبة كما يزعمون؟!

الثالث: تعليل أن "الذي جمعه الله لا يفرقه الإنسان" يبدو تعليلاً غريبًا؛ فالزواج أباحته شريعة موسى -عليه السلام-، ويتم بإرادة الزوجين، ويعقد مراسمه رجل دين وفق عقائد النصارى وإلا فهذا ليس شرطـًا في دين الإسلام.

والطلاق أيضًا شرعته شريعة موسى -­عليه السلام-، ويقع وفق إرادة الزوج، ويعقد مراسمه رجل دين؛ فلماذا إذن ينسب الزواج إلى الله والطلاق إلى الإنسان؟!

ويزيد هذا توضيحًا أن نسأل عن الطلاق الذي كان يتم قبل هذا النسخ: هل هو منسوب للإنسان أم لله؟! وكذلك الطلاق الذي لعلة الزنا منسوب لله أم للإنسان؟!

الرابع: أن الكنيسة خشيت أن يكون في ذلك الموقف تشجيعٌ على الزنا من باب أنه المخرج الوحيد للطلاق، فسمحت بالطلاق في حالة الزنا، ثم سمحت بالزواج مرة ثانية للطرف البريء، وهذا ممَّا لا وجود له في هذا النص الإنجيلي ولا في غيره؛ ظنًا منها أن هذا يسد باب تعمد الزنا بعلة الطلاق، ولكن تبقى عدة إشكاليات:

1- الزاني الذي طلقت منه امرأته وتاب وهو ممنوع من الزواج.. ماذا يفعل؟!

وإذا كان الشيطان قد غلبه فزنى رغم زواجه؛ فماذا يكون الحال وهو ممنوع من الزواج؟! وإذا أضفتَ إلى هذا أن الزاني يمكنه أن يعترف للقس فيغفر له؛ فماذا يمكن للقس أن يفعل فيمن يجيئه معترفـًا بالزنا بعلة أنه ممنوع من الزواج؟!

2- المرأة التي كرهت زوجها وتريد أن تتخلص منه لا يمكن أن تزني لتطلق ثم تذهب لتعترف وتتوب ثم تعيش بقية دهرها في نفس الفتنة.

الخامس: في هذا النص المنسوب إلى عيسى -عليه السلام- أن مشروعية الطلاق كان من أجل قساوة القلوب، ومن المعلوم أن الجيل الذي خاطبه عيسى -عليه السلام- كانوا أشد أجيال بني إسرائيل قساوة؛ حيث قتلوا يحيى -عليه السلام-، وهموا بقتل عيسى -عليه السلام-؛ فكيف يزول الحكم مع بقاء سببه، بل مع زيادته؟! ثم هل يمكن أن يقال مع قساوة قلب أهل هذا الزمان يمكن العودة إلى تشريع الطلاق؟

السادس: يسخر عامة المنصرين من حكم الطلاق مع اعترافهم من أنه كان شريعة لله في يوم من الأيام -حتى وإن كان لعلاج قسوة قلب البعض بزعمهم-؛ فكيف يمكن أن يسمحوا لأنفسهم بالاستهزاء بحكم الله باعترافهم؟!

السابع: حاولت لائحة 38 أن تتمسك قدر الإمكان بالنص الإنجيلي مع استثناء من يتعرض شريكه لحالة تمنع من الاستمتاع، وهو أمر يحتمه العقل وتأباه النصوص الإنجيلية! وصدق الله إذ يقول: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ) (النساء:82) .

ولكن المدهش في الأمر حقًا هو موقف جمعيات الإنسان التي تدافع عن الحرية الجنسية خارج نطاق الزواج كيف تخلت عما تزعم أنه من مبادئها، وارتدت ثوب الكنيسة في عصورها الوسطى الأوروبية، وأخذت تعتبر أن حكم المحكمة اعتداء على حرية النصارى مع أن القضية رفعها نصراني، ومحاميه نصراني، ولائحة 38 وضعها بطريرك النصارى آنذاك!

ومع أن الاتجاه الذي تمثله الكنيسة يمثل اعتداءً صارخًا على حق الإنسان في تكوين أسرة أو إنجاب أبناء، والكنيسة تلزم من زنا وطلقت امرأته أن يظل طوال عمره وحيدًا، ويلزم من كانت امرأته مريضة بالبرص أو الجذام إما أن يعاشرها كذلك أو أن يبقى وحيدًا، ويلزم من كانت زوجته عقيمًا أن يبقى كذلك، ولو كان قادرًا على إنجاب الأبناء.

وأعجب منهم العالمانيون الذين يريدون إرغام المسلمين على عدم التحاكم إلى القرآن الذي فيه: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ )، بينما يدافعون عن حق النصارى في أن يتبعوا تأويل كبيرهم الحالي لنص خالف فيه تأويل سابقيه، في الوقت الذي يقول فيه إنجيلهم: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، وينسبون إلى نبيهم أنه رفض تنفيذ حكم الرجم في زانية، ورفض قسمة الميراث بين أخوين!

وعلى أي فنحن غير مشغولين بزوج "هالة صدقي"؛ هل تصرح له الكنيسة بالزواج مرة ثانية أم لا؟! ولكن فقط نتمنى من العالمانيين وجمعيات حقوق الإنسان أن تكف عن مطالبة المسلمين بمخالفة حكم القرآن، وأن تكف عن الدفاع عمن ينتسب للإسلام وهو يريد أن يخالف تعاليمه الصريحة طالما أنهم لم يدافعوا عن حق رجل يريد أن يتزوج وينجب ذرية؛ لأن رجلاً آخر يرى أنه لا يجوز له إلا أن يبقى هكذا مدى الحياة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ينص القانون المدني المصري على أن يتم الحكم في الأحوال الشخصية بما يوافق الشريعة الدينية للزوجين، وفي حالة اختلاف الملة يُحكم بالشريعة الإسلامية.

وتشهد الساحة كثيرًا من حالات التحول للإسلام؛ بسبب ما يعانونه من حالات الزواج الفاشل، وإلزام الكنيسة لهم بالاستمرار فيه بزعم أن هذا هو التشريع الإلهي؛ مما يدفع الكثيرين إلى الاطلاع على الإسلام وشريعته؛ فيترتب على ذلك إسلامهم -بفضل الله تعالى-.

والبعض يريد فقط أن ينتفع بهذا التشريع الإلهي فيغير ملته من إحدى ملل النصارى إلى ملة أخرى؛ لتطبق عليهم الشريعة الإسلامية، فيتمكن الرجل من الخلاص من الزواج الفاشل عن طريق الطلاق، وتتمكن المرأة من ذلك عن طريق الخلع.

(2) كان هذا الإجراء مثار انتقاد واسع من زوج "هالة صدقي"؛ لأن الكنيسة لم تسمع لدعواه على زوجته بالزنا؛ لأنه تم بعد خمسة أشهر من الزواج، وكان طبيعيًا ألا تسمع لدعواها عليه بالزنا، وبالفعل اضطرت هي إلى تغيير الملة، وبما أنها مِن وجهة نظر الكنيسة الأرثوذكسية حاصلة على حكم باطل بالطلاق، ومن ثمَّ يكون زواجها الثاني زنا؛ إلا أن الكنيسة الأرثوذكسية أعادت النظر في القضية بأثر رجعي، وحكمت على الزوج بالزنا بأثر رجعي، وافترضت أن الممثلة حصلت على حكم طلاق صحيح، ومن ثمَّ أُعطيت تصريح زواج ثان، في حين عادت مرة ثانية إلى الأرثوذكسية، ولم يقم أي أحد بحوار مع الممثلة ليناقشها في الاختلافات اللاهوتية بين الأرثوذكسية والسريانية، وما هي الأسباب التي جعلتها تتردد بينهما كما تغُيِّر حقيبة يدها؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية