شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الحماة والكَنة... معالجة شرعية

عصام حسنين • المرأة والأسرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان للأم منزلة عظيمة عند العرب في جاهليتهم، ودل على ذلك آثار كثيرة، منها:

- قصة "سعد بن أبي وقاص" -رضي الله عنه- مع أمه عندما امتنعت عن الطعام والشراب عسى أن ترده بذلك عن دينه.

- وقصة "مصعب بن عمير" -رضي الله عنه- أيضًا مع أمه.

- وكذا وصية أمامة بنت الحارث لابنتها في يوم زفافها... إلى آخر ذلك من الأمثلة.

- وجاء الإسلام بنوره وهدايته فزاد هذا الأمر شدة، ووصى بالوالدين، وقدَّم الوالدة في البر على الوالد إلا أنه جعل طاعتهما في المعروف كما قال الله -تعالى-: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ) (لقمان:15) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ) (متفق عليه) .

كانت القرون الخيرية على صلاح ودين يتقون الله -تعالى- في أمورهم، يعلمون ما عليهم من واجب فيؤدونه لصاحبه، وما لهم من حق قد يتسامحون فيه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ) (رواه البخاري) .

فوردت نماذج في بر الوالدين -خاصة الأم- تُشعر بأن الكَنة -زوجة الابن- كانت تُنزِل حماتها منزلة أمها منها، وأن الحماة تنزل كنتها منزلة ابنتها منها، وكذا حماها، وهذا هو الواجب؛ فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "أَنْكَحَنِي أَبِي امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ فَكَانَ يَتَعَاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْأَلُهَا عَنْ بَعْلِهَا فَتَقُولُ: نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ" (رواه البخاري) ، أرادت: لم يقربها.

- وحديث كبشة بنت كعب في صبها الوضوء على حماها أبي قتادة -رضي الله عنه- حديث صحيح.

- فكلما اقترب الناس من دينهم؛ قلت مشاكلهم، وجعل لهم منها فرجًا ومخرجًا، وإذا ابتعدوا عن دينهم غيَّر الله ما بهم، كما قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الأنفال:53) ، ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (الرعد:11) .

قال الدكتور الصباغ: "يبدو أن الناس فيما مضى -ولعوامل متعددة- كانوا يُراعون حق والدي الزوج رعاية مبالغًا فيها قد تدخل الجور على الزوجة في كثير من الأحيان عدوانًا وظلمًا، ولكن الأمر بعد اختلاطنا بالكفرة وتأثرنا بحضارتهم التي حطمت فينا الأسرة اختلف؛ أصبح الظلم يصيب الوالدين، وهو إن وجد ينصب أكثر ما ينصب على الأم.

لئن كنا في الماضي بحاجة إلى تذكير الزوج بحقوق الزوجة مع مراعاة بر الوالدين إلا أننا اليوم بحاجة إلى تذكير شبابنا برعاية الموازنة بين حقوق الوالدين، وحقوق الزوج وإلى تحذيرهم من العقوق.

إن كثيرًا من المآسي الاجتماعية والعائلية تقع بسبب الإخلال بهذا التوازن المطلوب، والخسارة الكبرى والإثم العظيم يقع على الزوج أولاً عندما يقع في غضب الجبار، ويدخل النار" "نظرات في الأسرة المسلمة ص101" نقلاً "عن عودة الحجاب" .

- وساعدت الأفلام في ذلك الوقت -بتشجيع الاستعمار- على إشعال معارك وهمية لا وجود لها بين الحموات والكنات، وصوَّرت الحموات بصورة شنيعة جدًّا، قد تكون موجودة في البعض دون الآخر، وقد تكون حالات انفرادية لا عموم لها إلا أن سياسة الطـَرق المستمر جعلتها مشكلة حقيقية، وظاهرة مرضية تحتاج إلى علاج.

وعلاجنا لا يكون إلا في الالتزام بالشرع، وفي رجوعنا إلى ما أصلح أولنا، كما قال الإمام مالك -رحمه الله-: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها".

أولاً: نصيحة وتذكير إلى الزوج -الابن-:

لقد وصاك الله -تعالى- بوالديك والإحسان إليهما -خاصة عند الكبر-، بإيصال كل قول وفعل حسن، والابتعاد عن ضدهما، قال الله -تعالى-: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا . وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ) (الإسراء:23-24) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: ( أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أُمُّكَ ). قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ أَبُوكَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

- وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الْهِجْرَةِ وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ. فَقَالَ: ( ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

- وعن معاوية بن جاهمة -رضي الله عنه- أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ. فَقَالَ: ( هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟ ). قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ( فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: حسن صحيح) .

- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ. وَكَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ ) (متفق عليه) .

- ويزداد البر بالأم إذا كانت آمت من زوجها، ورغبت عن الزواج تربية لأولادها وعدم تضييعهم.

ولك في سلفك الصالح أسوة حسنة في هذا الباب:

- كان أبو هريرة -رضي الله عنه- من أبر الناس بأمه.

الصفحة التالية