شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأقربون أولى بالنصيحة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمن جوامع كلم النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )، قالوا: "لمن يا رسول الله؟"، قال: ( لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ) (رواه مسلم) .

وقوله: ( انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا )، قالوا: "يا رسول الله، ننصره إن كان مظلومًا؛ فكيف إذا كان ظالمًا؟!"، قال: ( تَحْجُزُهُ -أَوْ: تَمْنَعُهُ- مِنْ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ ) (رواه البخاري) .

وجاء في الأثر: "المسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى".

وهذه القضية -نحسبها- من المُسَلَّمَات عند عامة المسلمين من الناحية النظرية، بينما تجد أنها مهجورة في الجانب العملي -إلا من رحم ربي-، ويشمل ذلك طرفي القضية -أعني: الناصح، والمنصوح-.

فكثير من الناس يُثبِّط نفسه عن أداء واجب النصيحة العامة والخاصة مع قدرته عليه بأنواع من العلل، ومعظم الخلق -إلا من رحم ربي- يمتنعون عن قبول النصيحة بدعاوى مختلفة!

وتُعتبر دعوة الناس إلى خلق التناصح وقبول النصح أحد أهم مفاتيح نجاح الدعوة إلى الله، وبدونه قد تبقى الدعوة بلا ثمرة، ورغم اتفاق كل فصائل الصحوة الإسلامية على ذلك إلا أنه مثـَّل من جانب آخر أحد أهم مسائل النزاع بين السلفيين وغيرهم؛ حيث اعتبرت بعض الاتجاهات الإسلامية أي نصح موجَّه لها من خارج الجماعة نصحًا مبنيًّا على عدم معرفة بواقع الجماعة، وأن النصح لغير قادة الجماعة تجريح لا نصح.

وهو ما رفضه عامة الدعاة والعلماء السلفيين الذين استمروا في نصحهم لفصائل الدعوة الإسلامية: كالإخوان، والتبليغ، واستمروا في محاولات التقويم للتيارات الجهادية، كما قاموا بدورهم في التصدي للمدرسة العقلانية الحديثة، وكتابات وفتاوى أهل العلم -كالشيخ ابن باز والشيخ العثيمين والشيخ الألباني- معروفة مشهورة.

وأما السلفيون فكان أصل قاعدة الاتباع عندهم ملزمًا لهم بقبول النصح من حيث المبدإ، لا سيما وهم يدندنون حول هذه القضية، ويكادون يحفظون أدلتها عن ظهر قلب من الكتاب، كقوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (الحجرات:1) ، وكقوله -تعالى- ذامًّا لليهود والنصارى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ) (التوبة:31) .

وكقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) .

كما أنهم يستظهرون شدة الصحابة في هذا الباب حتى قال ابن عباس -رضي الله عنهما- لمن عارض سنة متعة الحج بما ظنه نهيًا مِنْ عمرَ -رضي الله عنه-، فقال: "توشك أن تننزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟!".

ومن المأثورات المنقوشة على قلب كل سلفي: "كل يؤخذ من قوله ويُترك إلا صاحب هذا القبر".

ومن ثمَّ لم يلتفت السلفيون -إطلاقـًا- لمن يرهبهم من واجب النصيحة بادعاء أن هذا يخل بحقوق الأخوة، كما أنهم لم يرفعوا هذا السيف في وجه ناصح -حتى وإن نصح بما يرونه هم خطأ، بل باطلاً-، وإنما كانوا يردون على كل ناصح إما بالقبول أو الرد لما قاله دون نهيه عن مبدإ النصيحة.

بل إن هذا كان هو ديدنهم في المناظرات السلفية - السلفية، وكقضية: ستر الوجه والكفين التي تناظر فيها الشيخان الألباني والتويجري عبر كتابات، وكمسألة الاستعانة بالكفار التي خالف فيها الشيخ الألباني وغيره أكثر مشايخ المملكة العربية السعودية.

الحاصل: أن المناقشات السلفية خلت -تمامًا- من فكرة رفض النصيحة من أساسها إلى مناقشة مضمونها، إلا أنه ظهر في الآونة الأخيرة في أوساط السلفيين مَن يبالغ في حب بعض الرموز السلفية إلى الدرجة التي يَظن أن توجيه أي نصيحة لها هو إسقاط لهيبتها أمام العامة، وبالتالي يطالب كل ناصح بالصمت، أو على الأقل يُلزمه بأن تكون النصيحة سرًّا، وربما كان للشيخ المخاطَب بالنصيحة نصائح علنية لغيره مما يُظهر أتباع هذا الشيخ بالتناقض، بل ربما رمى الشيخ نفسه بهذه التهمة، حتى وإن كان هو نفسه ممن يقبل النصح من حيث المبدإ بأي وسيلة جاءه بها هذا النصح؛ مما يزيد من حدة المناقشات لا سيما في المنتديات الإسلامية التي يرتادها إخوة من اتجاهات إسلامية متنوعة.

وقد استدل هؤلاء الإخوة في الدفاع عن شيوخهم (1) بذلك الأدب الإسلامي الذي رغَّب فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ( مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا؛ سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) ، والذي أخذ منه علماء السلوك أن مِنْ آداب النصيحة أن تكون سرًّا، وفي ذلك يقول الفضيل -رحمه الله-: "المؤمن يَستر، والفاجر يَهتك".

والآثار عن السلف في هذا الباب لا تُحصى كثرة، بيد أنه كان ينبغي على من فهم هذا الفهم أن يجمع بينه وبين الأدلة التي فيها النصيحة في العلن الواردة في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي سيرة أصحابه -رضي الله عنهم-.

ومَنْ نظر في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وجد كل أنواع النصيحة، بل ربما وجد أن النصيحة في العلن كانت هي الأكثر وقوعًا منه -صلى الله عليه وسلم-؛ لحاجة تعليم الأمة، وإن كانت معظم نصائحه العلنية كانت على طريقة: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا..."، وكان اختيار طريقة النصيحة في كل واقعة بحسبها.

- فَمِنْ النصيحة في السر: قوله -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- في حادثة الإفك: ( إِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ ) (متفق عليه) .

- ومِنْ النصيحة في العلن دون التصريح باسم صاحب الذنب: قوله -صلى الله عليه وسلم- في غير ما موقف: ( مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا... ).

- ومِنْ النصيحة في العلن ما صَرح به باسم المنكَّر عليه : كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ ) (رواه البخاري) ، كما في قصة بني جَذِيمة.

الصفحة التالية