شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الأقربون أولى بالنصيحة

الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي

وإذا كانت الأحوال الثلاث قد وقعت من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فلابد -إذن- مِن علة يدور معها حكم النصيحة بين هذه الأحوال الثلاث.

فتُحمل النصيحة في السر على المعاصي التي استقر عند العامة حرمتها، بينما وقع فيها صاحبها جهلاً أو ضعفـًا، أو حتى ظن وقوعه فيه كما في حادثة الإفك، والتي برأ الله فيه أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- بقرآن يُتلى إلى يوم القيامة بعد أن ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- المثل للأمة في التزام الحق ولو على أقرب الأقربين!

وفي هذه الحالة لا يوجد حق إلا لهذا العاصي أن تنصحه، فلا يوجد معنى لنصيحته على الملإ، وتصبح النصيحة على الملإ في هذه الحالة فضيحة، لا نصيحة.

وأما في حالة انتشار المنكر لا سيما ممن يُقتدى به فأصبح الحق ها هنا لمرتكب الخطإ ولمَنْ وراءه؛ فلابد ها هنا من التصريح بالإنكار؛ لتحصل الفائدة لجميع الأطراف، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في واقعة خالد -رضي الله عنه-، ولعله يكون أقرب إلى نفس المنكر عليه مِن أن تُنكِر عليه، ثم تطالبه بأن يعتذر هو عن خطئه أمام الناس، فلو أنك قمت بالأمرين معًا؛ لكان حسنًا.

ويتأكد هذا في حق غير النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث لا يدري: هل يَقبل المنصوح نُصحه أم لا؟

ولا يمكن أن يعلق الناصح نصح العامة إلى نظر المنصوح في النصيحة، ولعله يكون عنده تأويل يمنعه من قبولها كما كان الحال مع ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي لم يرجع عن القول بإباحة نكاح المتعة إلا في آخر حياته، فهل كان المطلوب من الصحابة أن يسكتوا عنه؛ احترامًا لعلمه ولقرابته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإجلالاً لدعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- له: ( اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ ) (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني) ؟!

الذي وقع من الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم أنكروا على ابن عباس -رضي الله عنهما-، بل بالغ بعضهم كعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهما- في الإنكار عليه حتى لا يستغل أصحاب الهوى هذه السقطة منه، فروى مسلم عنه أنه قال: "إن رجلاً أعمى الله قلبه كما أعمى بصره يفتي بالمتعة" -يعرِِّض برجل هو: عبد الله بن عباس-، فناداه ابن عباس فقال له: "إنك لجلف جاف، فلعمري لقد كانت المتعة تفعل في عهد أمير المتقين" -أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فقال له ابن الزبير: "فجرب بنفسك، فوالله لو فعلتها؛ لأرجمنك بأحجارك".

فكان أنْ عصم الله عامة الناس من السقوط في هذه المعصية، بل مَنَّ الله على ابن عباس -رضي الله عنهما- فرجع عنها في آخر حياته -والحمد لله رب العالمين-، وشرع الله لا يأتي إلا بكل خير.

ومِنْ ذلك -أيضًا-: ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- فيما رواه أبو إسحاق قال: "حدثتني امرأتي العالية، قالت: دخلت على عائشة في نسوة، فقالت: ما حاجتكن؟ فكان أول من سألها أم محبة، فقالت: يا أم المؤمنين هل تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم، قالت: فإني بعته جارية لي بثمانمائة درهم إلى العطاء، وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدًا، فأقبلت عليها غضبى، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب، وأُفحمت صاحبتنا فلم تكلم طويلاً، ثم إنها سهل عليها فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيت إن لم آخذ إلا رأس مالي؟ فتلت عليها: ( فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ) (البقرة:275) ".

ونلاحظ هنا -أيضًا- شدة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في استنكار أن يقع زيد بن أرقم -رضي الله عنه- في مثل هذا الخطإ.

- ومِنْ ذلك: قول ابن عباس -رضي الله عنهما- في الإنكار على مذهب زيد -رضي الله عنه- في ميراث الجد مع الإخوة: "ألا يتقي الله زيد بن ثابت؟!، يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبا الأب أبًا!".

وقد يختلف الحال في شأن تأخر البعض عن أداء الواجب من البيان؛ فإنه يحتمل الصبر عليه مع النصيحة، كما في فعل عيسى مع يحيى -عليهما السلام-، فعن الحارث الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا، فَقَالَ عِيسَى: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وهذه الأحوال التي انتشر فيها المنكر، وانتشرت نسبته إلى صاحبه، فكان الإنكار عليه باسمه؛ حيث إن تعميته لا تكاد تفيد -إن لم تضر-، وأما إذا انتشر المنكر دون نسبته إلى فاعل معين، أو بدأ البعض في فعله مع علم الناصح بحاجة عامة الناس إلى تعلم ذلك الأمر؛ ناسب هنا أن تكون النصيحة بصيغة: "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا..."، وكان هذا هو غالب حال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الإنكار جمعًا بين مصلحة الإنكار، وبين مسألة الستر على المسلم.

ومِنْ هذا العرض نستنتج أن تقرير الأحكام الشرعية -فضلاً عن المواقف المصيرية من قضايا: تحكيم شرع الله، والولاء والبراء، ونحوها- مما يجب الإنكار العام فيها؛ لحق عامة الناس في ذلك، ويزداد الأمر أهمية كلما ازدادت القضية خطورة، وازداد القول انتشارًا.

وأما التصرفات الشخصية أو الآراء التي لم يعلنها أصحابها؛ فالنصيحة الخاصة أستر وأعون على قبولها.

ويتضيق الأمر على من آتاه الله علمًا إذا سُئل عن قول لغيره يدين لله بخطئه أو بطلانه لا سيما إذا كانت المسألة من الخلاف غير السائغ انتظارًا لمناصحة صاحب القول سرًّا، ثم انتظارًا لما قد يراه ذلك المنصوح، بينما يفهم عامة الناس من ذلك الإقرار، وإذا كان عيسى -عليه السلام- يتعجل يحيى -عليه السلام- في بلاغ كان -حتمًا- سيبلغه، ولكنه استبطأه؛ فأنذره: إما أن يبلغ، وإما أن يبلغ هو؛ فكيف بالمخالفات الشرعية؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية