الأقربون أولى بالنصيحة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
7- وقد يعترض البعض أن تكرار التبرؤ مما يخالف منهج السلف من قِبَل بعض الدعاة يكفي لحسن الظن في كل خطإ جزئي، وكما قدمنا أن القيام بواجب النصيحة لا يلزم منه سوء الظن، وأن الالتزام الإجمالي بمنهج السلف أمر حَسن يُحمد عليه صاحبه، ولكنه لا يُغني عن البيان التفصيلي للحق؛ وإلا كان كما استنكر ابن القيم -رحمه الله- على من سُئل عن مسألة ميراث، فقال: "تقسم على ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"؛ بأنه لم ينفع السائل في هذه المسألة الجزئية بشيء، ولا شك أن دعوة الناس إلى الالتزام بالكتاب والسنة أمر حسن، ولكن لابد من تطبيق هذا تفصيليًّا عند كل حكم يحتاجه المكلف.
وإذا كانت إحالة العامي إلى الكتاب والسنة دون بيان الحكم والدليل في المسألة المسئول عنها يصيبه بالحيرة مما يضطره إلى سؤال آخر؛ فإن قول المرء في تصحيح خطإ وقع فيه أو وقع فيه غيره أن كل ما يخالف الكتاب والسنة يرجع عنه أو ينكره لم ينفع العامي بشيء، وربما ذهل عن الخطإ المومئ إليه، وربما حمل الكلام على بعض الحق الذي في الكلام فلا يجزئ في هذه الأحوال إلا التبيين التام؛ ( إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:160) .
8- وأما الاعتراض بأنه الأولى أن توجه الجهود إلى نقد البَعِيدين عن منهج السلف؛ فإنه منطق معكوس؛ فطالما كان الأمر خطأ؛ كان إنكاره واجبًا، وقد تقدم فعل ابن عباس مع علي -رضي الله عنهم-.
بل إن تدارك الأخطاء داخل الصف السلفي قبل استفحالها قد يكون أولى من الإنكار على المخالِفين، وكلٌّ واجب؛ حيث إن الأول من جنس الحفاظ على رأس المال، والثاني من جنس طلب الربح، والحفاظ على رأس المال السلفي مطلب لابد أن تتحد عليه جهود الدعاة إلى السنة في كل مكان، وهذا مما يصح أن يقال فيه: "الأقربون أولى بالمعروف".
ثم إن النتائج المترتبة على غض الطرف عن الأخطاء التي تحدث في الصف السلفي شديدة الخطورة، منها:
أ- أنه لا يُؤمَن مع عدم الإنكار اقتناع الكثيرين بها؛ فيتميع الصف السلفي، والعاقل من اتعظ بغيره، وكم من الاتجاهات الإسلامية يقبلون اليوم ما كانوا ينكرونه بالأمس لا لحجة من كتاب أو سنة، وإنما لتراكم الفتاوى التي يُسكَّن بها الغير فلا يسكن، بل تزداد شهيته للمزيد، ويُضلَّل بها مَنْ لم يسمع إلا إياها من حديثي الالتزام.
ب- إن هذا المسلك المُشْرَب بالمحاباة يمثل فتنة لسائر الإسلاميين عن اتباع المنهج السلفي، وربما كان فتنة للبعض عن التعاون مع الحركة الإسلامية ككل.
ج- إن هذا المسلك ينمِّي مرض الحزبية، وهو الداء العضال الذي اضطر البعض بسببه إلى الفتوى بمنع التعاون على البر والتقوى المأمور به شرعًا، والذي يطلق عليه: "العمل الجماعي".
ومعالجة داء الحزبية والعصبية إنما تكون في تنمية روح الاتباع، وتكريس قاعدة: "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" واقعًا عمليًّا، ورفع شعار: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه" مع كل حبيب إلى القلب.
وأخيرًا: فلن نطالب إخواننا الذين يتبنون أن النصيحة لا تكون إلا سرًّا أن يلتزموا معنا بما ألزموا به أنفسهم فلا ينصحونا إلا سرًّا، ولكن لينصحوا ما شاءوا سرًّا وجهرًا طالما كان بالأدلة الشرعية من: الكتاب والسنة، ونسأل الله أن نكون ممن يرجع تفصيليًّا عن أي خطإ وقع فيه، ولكننا فقط نطالبهم بما ألزموا به أنفسهم من حسن الظن بالمسلمين والدعاة.
ونشهد الله -تعالى- أننا ما أردنا بذلك إلا النصح لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وأننا نجمع بين النصيحة في السر والعلن بحسب ما ندين لله به من هذه الضوابط التي بيناها، بل فوق هذا أنه ما من قضية نطرحها على الملإ وإلا ولنا فيها مع صاحبها مناصحة مباشرة، أو يكون قد ثبت لدينا بالسند الصحيح المتصل مناصحة غيرنا من أهل العلم له، بيد أن ذكر تفاصيل مثل ذلك مما تضر ولا تنفع، لا سيما وأن النصيحة واجب شرعي، وحق مِنْ حقوق الأخوة، وحق من حقوق العامة على الدعاة، لا يحتاج من يقوم به إلى أن يقدم عنه اعتذارًا!
والله من وراء القصد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) قصرنا الكلام هنا على أتباع المشايخ؛ لأننا لم نجد -بفضل الله تعالى- من الشيوخ السلفيين الذين وجه لهم نقد في الآونة الأخيرة من اشترط على ناصحه أن ينصحه سرًّا، وإن كان هناك من اشترط أن تكون النصيحة مهذبة بناءة، وهي شروط معتبرة -بلا شك-، وكما ذكرنا أن دفاع بعض المحبين قد يضر حينما ينسب البعض للشيوخ أنهم أعطوا لأنفسهم حصانة من النقد لم يعطوا مثلها لخصومهم من الدعاة الجدد وغير الجدد، فضلاً عن العالمانيين وغيرهم ممن قد يطالبونا بأن نطيع الله فيهم وننصحهم سرًّا كما اشترطنا لأنفسنا.
(2) يتأول البعض أخطاء بعض الدعاة على أنها تقية، ثم يضيف إلى ذلك أن الكل يعلم هذا؛ فلا حاجة هنا للإنكار! ولا ندري من أين يمكن للإنسان أن يعرف أن كل سامع بقوله يعرف أنه قال ما قال تقية؟!
وأعجب من ذلك أن يقال ذلك في حق أخطاء دعاة يتمتعون بدرجة قبول عالية عند العامة، وعند كلامهم إلى العامة لا يتضمن كلامهم أي إشارة إلى هذا الاضطرار!
ونكرر: إننا في هذا السياق نصحح بعض الأخطاء التي يقع فيها إخواننا دفاعًا عن مشايخهم، مع التأكيد على أنه لم يقل أحد مِنْ هؤلاء الدعاة بذلك -بحمد الله-.