الأقربون أولى بالنصيحة
الشيخ عبدالمنعم الشحات • المنهج السلفي
ومما ينبغي أن يُنبه عليه أنه حتى وإن نصح ناصح فأساء، وجاء إلى ذنب مستور فنشره؛ أنه لا ينبغي للمنصوح أن يُعرض عن الاستجابة للحكم الشرعي الذي يجب عليه الامتثال له بالنصيحة وبدونها، وحبذا لو استجاب ثم عاد فنصح الناصح بأن يلتزم بآداب النصيحة، ولتكن نصيحته تلك سرًّا أو جهرًا بحسب ما يقتضيه الحال على التفصيل الذي بيناه.
وهنا قد يُعترض بأمور، منها:
1- أن هدي السلف هو النصيحة في السر، وقد قدمنا ما فيه.
2- ومنها: أن المصلحة -الآن- في ظل وجود العالمانيين أن نسكت عمن أخطأ من أهل العلم والفضل، ونكتفي بنصيحة السر وإن لم تقابل باستجابة سريعة من المنصوح!
وإذا عرضنا هذه الرؤية على هدي السلف؛ نجد أن حرصهم على نفي كل خطإ شرعي يقع فيه أي أحد لا سيما إذا كان متبوعًا يفوق تلك الحسابات بكثير، وهذا علي -رضي الله عنه- يقاتل من بغى عليه من أهل الشام -رضي الله عنهم أجمعين-، ويقاتل الخوارج، ويقاتل السبئية الذين ادعوا له الإلهية، فحرقهم علي -رضي الله عنه- بالنار بدلاً من القتل بالسيف ذاهلاً عن قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( لا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فأنكر عليه ابن عباس -رضي الله عنهما- في ظل كل هذه الحروب؛ فبلغ ذلك عليًا، فقال: "ويح ابن عباس باحث عن الهنَّات".
ونحن نوقن أن كل خطإ سواء أكان كبيرًا أو صغيرًا قد تكون له توابعه، وفي هذا المثال استثمر بعض أتباع ابن سبإ هذا الخطأ اليسير من علي -رضي الله عنه- فثبَّت به أتباعه على الكفر؛ حيث قال لهم: "ما ازددنا فيه إلا بصيرة؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار"! مما يؤكد على أهمية إنكار أي خطإ مهما بدا في أعين البعض صغيرًا.
ثم إن وجود العالمانيين مستمر، بل إنهم هم الذين يورطون كثيرًا من الدعاة في الأخطاء؛ بالترغيب تارة، وبالترهيب تارة، ولو كان هذا المبرر كافيًا؛ لما أٌنكر حتى على "الترابي" و"جمال البنا" وأمثالهما ممن يزعمون أنهم يُجَمِّلون الدين أمام أعدائه!
3- ومنها: اعتذار البعض عن المنصوح بقوله: "لعل ميزان المصالح والمفاسد عند المنصوح قد حتَّم عليه أن يتكلم بما تكلم، ومِن ثمَّ فحسن الظن به واجب".
والجواب: أنه لا مجال هنا للكلام على حسن الظن أو إساءته، اللهم إلا في وجه من يتجاوز نقد الخطإ إلى الطعن في المُخطِئ، وإن كان من المعروفين باتباع السنة في غير هذا الخطإ؛ إذ إن الإنكار ليس فيه إلا أن المنكِر يَرى الأمور على خلاف ما يراها المنكَر عليه، ويرى خللاً في تطبيقه للمصالح والمفاسد، وإلا لوافقه، وحيث تبين له خطأ المخطئ؛ فعليه أن يبينه بدليله، سواء أتى الخطأ من جهة عدم ضبط المسألة أو من جهة عدم تقدير المصلحة، وقد نصح عامة السلف الحسين -رضي الله عنه-، وبينوا له خطأه في تقدير المصلحة في الذهاب إلى الكوفة.
4- وأفحش منه ما يدعيه البعض؛ دفاعًا عن أخطاء بعض الدعاة أنه فعل ذلك تقية! وهو مما لا يجوز في مقام الدعوة، لا سيما مع عدم وجود الإكراه، وإذا كان الإمام أحمد -رحمه الله- قد أنكر على علماء زمانه الذين سكتوا على "بدعة القول بخلق القرآن" تقية، فقال: "إذا سكت العالم تقية، والجاهل لا يعلم؛ فمتى يظهر الحق؟!"
فإذا كان هذا هو إنكاره على مَنْ سكت؛ فكيف بمن وافق؟! مع أن هؤلاء قد تعرضوا لما يصلح أن يكون عذرًا لآحاد الناس أن يوافقوهم على ما يقولون، ولكن العالم المُقتدى به لا يكاد يجوز له ذلك؛ لما ثبت عن السلف من ضرورة الموازنة بين الفعل المكره عليه والعقوبة المحتملة.
وإضلال الخلق الذي ينشأ من إقرار المُقتدَى به بأمر باطل أشد من إقرار آحاد الناس؛ ليفدي نفسه، ولأنه إذا كان لا يجوز إجماعًا أن يفدي نفسه بهتك عرض غيره؛ فلا يجوز أن يفدي نفسه بإفساد دين غيره ممن سيسمع منه ما يقوله تقية، وهو لا يعلم ذلك (2) .
ومَنْ جَوَّز هذا الأمر فليعذر علماء السوء في كل زمان ومكان؛ فإنه لم يفتِ أحدٌ منهم بما يخالف دينه إلا وهو يخشى على نفسه الدوائر!
وإذا قيل: "فرْق بين مَنْ يخشى على نفسه وبَين من يخشى على دعوته..."، قلنا: إن الإمام أحمد مُنع من العلم والتعلم، وتعطلت كل مظاهر دعوته.
هذا مع الأخذ في الاعتبار الفرق بين موافقة الباطل، والسكوت الذي يفهم منه الإقرار، والسكوت الذي لا يفهم منه الإقرار؛ فإن غاية ما يمكن أن يفعله الداعي أن يتلطف في عرض بعض الحق في موطن على أن يبينه في آخر.
5- على أنه إذا تغاضينا عن هذه النقطة؛ فإن من يضطر إلى النطق بالباطل تقية يكون في أمَس الحاجة إلى مَنْ يقوم نيابة عنه بتبيين الحق سواء اعتذر عنه بأن قوله كان تقية -وأظن أن هذه ورطة تفقد التقية معناها-، أو أنكر القول وترك الاعتذار عن قائله متى زال عنه الإكراه؛ لكي يبيِّن المانع الذي منعه من الجهر الحق.
6- وقد ينسب قول إلى بعض أهل الفضل بطريق الإقرار، وهو أحد الأدلة المعتبرة، كأن يقول بعض المنتسبين إليه أو مَنْ هم تحت ولايته كلامًا باطلاً، ثم ينتشر، ويعلمه القاصي والداني؛ فيطالب البعض بحسن الظن بأنه لم يعلم، ولو علم لأنكر، ومِنْ ثمَّ يجب على الناصح أن يُعلم المنصوح سرًّا أولاً؛ ليتولى هو بنفسه تصحيح الخطإ، ويخرج من عهدة الإقرار المنسوب إليه.
ونحن نَنصح في هذا الباب ألا يُرهق الناصح نفسه في استعمال قاعدة الإقرار لنسبة قول لساكت، أو لاستنباط موقف بطريقة اللوازم، ويكتفي ببيان الحق ونصيحة الساكت أن يُنكر، والواقع في المنكر أن يرجع، وينبغي أن يكون هَمّ الدعاة إلى الله إزالة المنكر وإنكاره، دون التوقف كثيرًا عند من يتم على يديه ذلك الأمر، واستصحاب حسن الظن مطلوب ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
وإذا استصحبنا أن أي فكرة تُطرح لا تؤمَن أن يتأثر بعض الناس بها بصورة أو بأخرى، مما يوجِب على كل الدعاة أن ينكروا المنكر إذا أُعلِن على الناس، وأن مخاطَبة مَنْ له على المنكَر عليه نوعُ ولاية هي إحدى وسائل إنكار هذا المنكر، ولكنها لا تغني عن البيان، لا سيما في القضايا المتعلقة بالشبهات، وأما قضايا الشهوات فربما يسع فيها أن يتولاها أولى الناس بها فحسب.