شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تهذيب الأخلاق

ياسر عبد التواب • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كان من دعاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- سؤال الله الهداية إلى محاسن الأخلاق، وأن يبعده عن مذمومها، كما روي مسلم في صحيحه عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ )، وأخرجه الدارقطني وقال في آخره: "بلغنا عن النضر بن شميل وكان من العلماء باللغة وغيرها قال: معنى قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ ): الشر ليس مما يُتقرب به إليك".

وقد دل هذا الحديث -على أن الأخلاق نوعان-:

أخلاق حسنة ، وهي: الأخلاق الفاضلة.

وأخلاق سيئة ، وهي: الأخلاق المذمومة.

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- أن أصل الأخلاق المذمومة كلها: الكبر، والمهانة، والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها: الخشوع، وعلو الهمة.

تعريف الأخلاق:

- الخلق صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة.

- والخلق منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم، والإسلام يدعو إلى محمود الأخلاق وينهى عن مذمومها.

جاء الإسلام بمكارم الأخلاق، وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليتممها؛ وما ترك الإسلام خلقا حسنا إلا ودعا إليه، ولا خلقًا سيئًا إلا ونفر منه وذمه، وفي تلك العجالة نلفت نظرك أخي القارئ إلى أهمية ذلك الموضوع في شرع الله -تعالى- عسى أن يدفعك ذلك إلى العمل والالتزام؛ عسى أن يكون ذلك دافعًا للتخلق بها والابتعاد عن غيرها، وفقنا الله -تعالى- وإياك لما يحبه ويرضاه.

الأمر بحسن الخلق:

قرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين الأمر بتقوى الله وعبادته، وحسن الخلق؛ فقد روى الترمذي عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ وَأَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني) .

وعن عائشة -رضي الله عنها قالت: كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: ( اللهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي ) (رواه أحمد والبيهقي، وصححه الألباني) .

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إ ِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا ) (متفق عليه) .

وتعوذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- من سوء الخلق، فأخرج أبو داود والنسائي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلاقِ وَالأَعْمَالِ وَالأَهْوَاءِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

درجة صاحب الأخلاق الحسنة:

للخلق الحسن درجات عالية يوم القيامة لا يبلغها إلا من حصل ما حصلوا من الخير وزاد عليه؛ قال -تعالى-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) (آل عمران:133-134) .

فمن مجال المسابقة والمسارعة بين المؤمنين حسن الخلق، وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وعنه قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: ( تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ ). وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: ( الْفَمُ وَالْفَرْجُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

وعن جابر -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ ). قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ( الْمُتَكَبِّرُونَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية