تهذيب الأخلاق
ياسر عبد التواب • التزكية
وأخرج أحمد في الزهد عن أم الدرداء -رضي الله عنها- قالت: بات أبو الدرداء -رضي الله عنه- ليلة يصلي، فجعل يبكي ويقول: اللهم أحسنت خلقي فأحسن خلقي.. حتى إذا أصبح. فقلت: "يا أبا الدرداء أما كان دعاؤك منذ الليلة إلا في حسن الخلق؟!"، فقال: "يا أم الدرداء إن العبد المسلم يحسن خلقه حتى يدخله حسن خلقه الجنة، ويسوء خلقه حتى يدخله سوء خلقه النار".
وصف حسن الخلق:
تنوع وصف حسن الخلق مما ورد عن السلف الصالح، وهذا التنوع يثري الراغب في التعرف على سمات صاحب الخلق الحسن، عن علي -رضي الله عنه- قال: "حسن الخلق في ثلاث: اجتناب المحارم، وطلب الحلال، والتوسعة على العيال".
وعن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- أنه وصف حسن الخلق فقال: "هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى".
وقال الواسطي: "هو ألا يخاصم ولا يخاصم من شدة معرفته بالله -تعالى-؛ ويرضي الخلق في السراء والضراء".
وعن سهل التستري قال: "أدناه الاحتمال وترك المكافأة -أي في الشر-، والرحمة للظالم والشفقة عليه".
وقال بعضهم: أن يكون من الناس قريبًا وفيما بينهم غريبًا".
وقال غيره: "معرفة الجميل وفعله عند القدرة عليه، ومعرفة القبيح وتركه".
أمهات الأخلاق:
قال الغزالي ما مفاده: "وأمهات الأخلاق أربعة: الحكمة والشجاعة والعفة والعدل؛ فالحكمة يكون منها حسن التدبير وجودة الذهن وقوة العلم وثقابة الرأي، والخروج عن حدها الشرعي من جهة الإفراط: يكون بالمكر والخداع والدهاء، ومن جهة التفريط في الحكمة يكون: الحمق والغفلة.
والشجاعة، ومنها: الكرم، والنجدة، والشهامة، وكسر النفس، والاحتمال، والحلم، والثبات، وكظم الغيظ، والوقار، والتودد، والخروج عن حدها الشرعي بالإفراط يكون التهور، ومنه: الصلف، والبذخ، والاستشاطة، والتكبر، والعجب.
ومن جهة التفريط: تأتي أخلاق المهانة، والمذلة، والجزع، والخسة، وصغر النفوس ودناءتها، والجبن عن قول الحق ونصرته.
وأما خلق العفة فمنه: السخاء، والحياء، والصبر، والمسامحة، والقناعة، والورع، واللطف، والمساعدة، وخروجها عن الحد الشرعي يتولد منه في الإفراط: الإسراف، أو التبذير، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن جهة التفريط في خلق العفة يكون: الحرص، والشره، والعبث، والمجون، والحسد، والتذلل للأغنياء، واحتقار الفقراء.
وأما العدل: فبه قامت السماوات والأرض، وقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يرزقه الله كلمة الحق في الغضب والرضا؛ فمن ثمراته أن يعطي كل ذي حق حقه، فيرضي عنه الله -تعالى- ويحبه الناس، والتفريط فيه يورث الظلم، وأذى الناس، وضياع الحقوق، وشهادة الزور، واختلاط الأنساب".
قابلية الأخلاق للتغيير:
لقد بيَّن الشرع الحكيم أن الإنسان يمكنه أن يُنجي نفسه بتزكيتها، أو يهلكها بتركها تتردى في مهاوي الضلال؛ قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) (الشمس:9-10) ، وقال: ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (النازعات:40-41).
والأخلاق الحسنة هي من زكاة النفس، فلابد لك من تحصيلها، والسعي في اكتسابها، فالأخلاق تُكتسب، ويستطيع الإنسان أن يروِّض نفسه؛ ليدفعها إلى محاسن الأخلاق وليصرف عن نفسه سيئها، وإلا فلا فائدة من الوصايا والمواعظ والإرشاد في الشرع؟! ولئن كان الإنسان يستطيع ترييض الحيوانات العجماء، بل ربما استأنس الوحشي منها؛ فإن نفسه التي بين جنبيه أولى منه وأيسر عليه.
فاستعن بالله -تعالى- واطلب تغيير ما تراه في نفسك من أخلاق مذمومة.
والأخلاق إما أن تكون فطرية، وإما أن تكون مكتسبة:
فالفطرية: جُبِل الإنسان عليها، وهي من جملة رزق الله لك إن كانت حسنة، أو ابتلاء الله -تعالى- واختياره إن كانت سيئة، وقد مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشج عبد القيس المنذر بن عائذ -رضي الله عنه- قائلاً: ( إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ )، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا أَمِ اللَّهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: ( بَلِ اللَّهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا )، قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني، وأخرجه مسلم بنحوه).
أما المكتسبة: فتكون بسبب اختلاطك ببعض من يتصف بتلك الصفات، ومثال ذلك: الحلم والغضب قد يكونان ناشئين عن عوامل وراثية، أو يكتسبهما من البيئة المحيطة من أصدقاء وتجارب، وغير ذلك.
ولكن لابد لاكتساب الأخلاق من وجود الاستعداد الفطري لاكتسابها، وشأن الأخلاق في هذا كشأن المهارات الحركية والعضلية؛ فالعضو الذي لديه استعداد وقابلية فطرية لاكتساب مهارة من المهارات يمكن أن يغدو بالتدريب والتعليم مكتسبًا لهذه المهارة، بعكس العضو الذي ليس لديه قابلية فطرية لاكتساب مهارة من المهارات؛ فهذا يتعذر تدريبه وتعليمه، وكذلك اكتساب الأخلاق.
والأخلاق الفطرية قابلة للتنمية والتوجيه والتعديل؛ لأن وجود الخلق بصفة فطرية يدل على وجود الاستعداد الفطري لتقويمه وتعديله وتهذيبه بالتدريب وتكرر الخبرات، وتشهد لهذه القابلية التجارب التربوية على الإنسان والملاحظات المتكررة على أفراد الناس من مختلف البيئات الإنسانية.
قال ابن حبان -رحمه الله-: "الحلم منه ما يكون سجية وطبعًا، ومنه: ما يكون تجربة وتكلفًا، ومنه: ما يكون مركبًا منهما معًا. وأول الحلم: المعرفة، ثم التثبت، ثم العزم، ثم التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الصمت والإغفاء، وما الفضل إلا للمحسن لمن أساء؛ فأما من أحسن إلى المحسن وحَلُمَ عمن لم يؤذه؛ فليس ذلك بحلم ولا إحسان".
وسائل اكتساب الأخلاق الصالحة:
1- التدريب العملي والرياضة النفسية.
2- الغمس في البيئات الصالحة.
3- القدوة الحسنة.
4- الضغط الاجتماعي من قبل المجتمع المسلم.
5- سلطان الدولة الإسلامية من خلال النظم والقوانين ونظام التعليم، وغير ذلك.
فأيًا كانت طرق اكتسابك للخلق المذموم فيمكنك تغييره بعدة أسباب: