تهذيب الأخلاق
ياسر عبد التواب • التزكية
1- تستعين أولاً بربك وتدعوه مخلصًا؛ ليهديك لأحسن الأخلاق، وليصرف عنك سيئها، كما مر بنا من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا من أهم العلاجات؛ إذ تستعين بالله فيعينك، وهو -سبحانه وتعالى- عليم بك وأرحم بك من نفسك؛ فلا تُغفِل دعاءه، تقول: "يا رب إن بي بخلاً، أو لساني يسارع في الأذى، أو.. فعافني يا رب، وأذهب عني ذلك البلاء".
2- أن تترك الخُلطة بأصحاب الأخلاق الفاسدة الذي يشجعونك على أفعال السوء، واستبدل أصحاب القلوب الطيبة والأخلاق الكريمة بهم، فالإنسان يميل إلى التقليد دومًا، فمن جالس أهل الكرم اعتاد الكرم، ومن صاحب أهل الظلم هان عليه إيذاء الناس، وهكذا.
3- أن تستضيء بنور العلم الشرعي فيما يتعلق بالخلق الذي هو فيك، فانظر إلى توجيهات الشرع لك فيه.
4- انظر إلى الأمثلة العظيمة التي ساقها الإسلام للأخلاق الحسنة أو الذامة للأخلاق السيئة، وكيف كان حال السلف معها، وكيف كانت أخلاقهم.
ويمكنك عمومًا الرجوع إلى كتب سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسير الصالحين من الصحابة والعلماء؛ لتكتسب من خلال القراءة الصفات الطيبة لهؤلاء الكرام التي تطرد عنك تلقائيًا ما خالفها من المذمومات، وكمثال على ذلك كتاب "صفة الصفوة" للإمام ابن الجوزي -رحمه الله-.
5- أن تتكلف الخلق الحسن حتى يصير طبعًا، ومثال ذلك: من يكثر مِن كلام فيما لا يعنيه يحرص على تكلف الصمت، ويحاسب نفسه على ذلك حتى يعتاد اختيار الألفاظ، وقد كان بعض السلف يضع حصاة في فمه؛ ليصعب عليه الكلام، وكان عمر -رضي الله عنه- يؤنب نفسه على المنبر ليؤدبها.
وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: "متى أتكلم؟"، قال: "إذا اشتهيت الصمت"، قال: "ومتى أصمت؟"، قال: "إذا اشتهيت الكلام".
6- التذكير بالآخرة وما أعده الله -تعالى- لأهل الخير من نعيم وما أعده -عز وجل- لأهل الفساد والزيغ يُرغِّب دومًا في فعل الخيرات وترك المنكرات، قال -تعالى-: ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:133-135).
قال علي -رضي الله عنه-: "من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا".
وكان مالك بن دينار يقول لنفسه: "اصبري، فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك عليَّ".
كيف تعرف عيوب نفسك؟
1- باطلاعك على حال السلف ومقارنة نفسك بهم، والنظر في حال كرام الناس أيضًا من الذين تعاشرهم ينبيك بما في نفسك من عيوب.
2- أن تطلب من صديق صدوق عالم ديِّن أن يبصرك بعيوبك، وأن ينصحك فيها؛ فخير الأصحاب خيرهم لصاحبه، وابتعد عمن يداهنك فيخفي عليك عيوبك، وكذا ابتعد عن الحسود؛ فإنه يزعم لك عيوبًا ليست فيك.
وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: "رحم الله امرأً أهدى إليَّ عيوبي"، وكان يسأل سلمان: "ما الذي بلغك عني مما تكره؟"، فقال: "بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة"، وكان يسأل حذيفة: أسماه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنافقين؟!
وقيل لداود الطائي: "لم لا تخالط الناس؟"، قال: "وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي؟".
3- أن تطلع على مذمات أعدائك لك؛ فإن فيها من الصحة جانبًا، فالبصير لا يترك الانتفاع من قول حاسديه، ولا يترك الحذر من مدح محبيه، قال علي -رضي الله عنه-: "المغرور والله مَن غررتموه؛ فلا يغرك المدح فتتراخى".
وقال عبد الله بن جعفر -رضي الله عنهما-:
فـلست بـراءٍ عـيـب ذي الود كـله ولا بـعـض مـا فيه إذا كنت راضيا
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
ومعنى البيتين: "أنك لا ترى عيوب من تحب كلها أو بعضها؛ لأنك تنظر بعين محب يتجاوز عن كل إساءة".
وقال آخر:
وكذبت طرفي فيك والطرف صادق وأسمعت أذني فيك ما ليس تسمع
فلعل انتفاعك مما يذمك به منتقدوك يعطيك درسًا تستفيد به في تصحيح أخطائك وتهذيب نفسك، وأنت عليم بأن قول الأعداء يكون مبالغًا فيه؛ يدفعهم إلى ذلك الرغبة في التشفي، فانبذ الزيادة ولا تجعلها تحبطك، وانتفع بالأصل ينقلب السحر على الساحر.
4- انظر في حال المذمومين والجاهلين وإلى عاقبتهم في الدنيا والآخرة ترتدع -إن كنت ذا عقل- من أن تتشبه بهم؛ فلتتفقد نفسك ولتطهرها من الأخلاق المشابهة؛ لئلا تقع في الذم مثلما وقعوا.
قيل لعيسى -عليه السلام-: "من أدبك؟"، قال: "رأيت جهل الجاهل شينًا فاجتنبته".
أعاننا الله -تعالى- وإياكم على ما يحبه ويرضاه.