صاعقة "أوهايو".. هل أصابت لاهوت المسيح؟!
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
وبعد عقود من النقاش والصراع أقر "المجمع المسكوني" السابع المنعقد بـ"نيقية" عام 787م مشروعية اتخاذ الصور، واستعمالها في البيوت والكنائس، ولما كانت الكنائس الشرقية الأرثوذكسية وقتها في خلاف دائم مع الكنائس الغربية الكاثوليكية؛ فقد تصيد "الأرثوذكس" للكاثوليك استعمالهم للتماثيل تحت دعوى أن المجمع السابع لم ينص إلا على الأيقونات "الصور"، واتهموهم بالوثنية والهرطقة! وكأن هناك فارقـًا جوهريًّا بين الصور التي يتخذها "الأرثوذكس" الشرقيون والتماثيل التي يتخذها "الكاثوليك" الغربيون!
أو ليس كلاهما تجسيمًا وتشبيهًا للرب -تعالى-؟!، وما مِن تبرير يتعلق به الشرقيون أصحاب الصور إلا كان للغربيين أصحاب التماثيل أن يتعلقوا به ويستندوا عليه (1) .
وكذلك قام "البروتستانت" في القرن السادس عشر الميلادي بالاعتراض على الطقوس التي تقام أمام كلاً من الصور والتماثيل، ولكنهم أقروا مبدأ اتخاذها وتقديسها كرمز ديني وموروث ثقافي لا يمكن التفريط فيه، فاعتراضهم الأساس إنما هو على العبادات الصريحة التي يقدمها "الكاثوليك" و"الأرثوذكس" للصور والتماثيل.
وعلى ذلك فقد اتفقت كلمة هؤلاء -رغم كثرة خلافهم- على تقديس الصور والتماثيل، واعتبارها عَلمًا على عقيدتهم، ورمزًا دينيًّا يرمز للمسيح -عليه السلام- خصوصًا ولملتهم عمومًا.
أما الحقيقة الثانية -التي نريد إبرازها هنا- فهي: اعتقاد النصارى بحلول اللاهوت بتلك الصور والتماثيل، فإن قاعدة "التجسد" التي اقتبسوها من الوثنيين لا تمانع من اتحاد اللاهوت بغير "المسيح"، لا سيما وجمهورهم يقدمون لها العبادة الصريحة من دعاء وصلاة، وترتيل وتقبيل، وركوع وسجود، ونحو ذلك من الطقوس (2) .
ولكن لنترك الاستدلال بلازم أقوالهم وأفعالهم، ولنرى شيئًا مما صرح به علماؤهم وأسلافهم:
يقول د/ ديمتريوس تسيللنغيذيس تحت عنوان: "حضور الأصل بالصورة بالنعمة حسب تعليم الكنيسة": "إن حضور الأصل بالصورة حقيقة كنسية سُجلت في الكتابات الآبائية في زمن الصراع حول الأيقونات" (3) .
ويقول في ثنايا كلامه: "إننا إذا درسنا نصوص الآباء المدافعين عن الأيقونة في القرن الثامن والتاسع مع سجلات "المجمع المسكوني" السابع نلاحظ أن عقيدة الكنيسة في "الأيقونات" مرتبطة بالتفريق الوجودي بين الجوهر الإلهي وبين النعمة والقوة الإلهية" اهـ باختصار .
ومعنى كلامه: أن حلول اللاهوت بالأيقونات إنما هو حلول للصفات الإلهية "النعمة والقوة"، وليس هو حلولاً للذات الإلهية "الجوهر الإلهي".
ورغم أن العقل الصريح يمنع من حلول الصفة دون الموصوف، وأنه لا يعقل إلا حلول الذوات، ولكن المقصود هنا بيان المبدإ الذي انبثق منه إقرار اتخاذ "الأيقونات"، ألا وهو: مبدأ الحضور الإلهي بالأيقونة.
ولا ينفعهم بعد ذلك دعواهم أن التفريق بين حلول ذات الرب وحلول صفته، فإن ذلك -مع امتناعه عقلاً- نوع من الحلول اللاهوتي على أي وضع كان وعلى أي اسم سموه.
ولا يخفى أن هذا المبدأ لا يقل وثنية عن عبادة الصور والتماثيل، بل هما في الحقيقة متلازمان ولو لم يصرحوا بذلك؛ فكيف وقد صرحوا؟!
يقول د/ ديمتريوس: "وبذلك ندرك مفهوم الأيقونة كحامل للألوهية، أي: حامل لنعمة الله وقوته غير المخلوقتين" اهـ .
ويعني بالنعمة والقوة الإلهية غير المخلوقة أي: صفاته -عز وجل-، فإن الصفات تابعة للموصوف، فصفات المخلوق مخلوقة، بينما صفات الله -تعالى- غير مخلوقة، فإنه -تعالى- الخالق الأزلي، ولكن دعوى حلول الصفة دون الذات ممتنعة عقلاً كما ذكرنا قبل ذلك.
ويؤكد الأنبا رافائيل (4) ذلك بمقالة "الأساس اللاهوتي للأيقونة" تحت عنوان: "ماذا يحدث في طقس تدشين الأيقونات": "التدشين هو: التكريس، أي: التقديس والتخليص لله، فتصير الأيقونة بعد تدشينها أداة مقدسة لإعلان حضور الله بفعل الروح القدس.
وفي الصلاة التي يصليها الأسقف في طقس التدشين يقول: من أجل هذا نطلب منك يا محب البشر أن ترسل روحك القدوس على هذه الصورة.
إننا نؤمن إيمانـًا قاطعًا أن "الروح القدس" يحل على الأيقونات بالصلاة وبالدهن بالميرون؛ فيقدسها ويؤهلها للكرامة والتوقير" اهـ باختصار .
أما الحقيقة الثالثة التي نود إبرازها هنا -بصرف النظر عن دعوى الحلول اللاهوتي في الصور والتماثيل- فهي: دعواهم أن هذه الصور ليست لناسوت "المسيح"، بل هي صورة لـ"لإله المتجسد" أو "الإله المتأنس".
فعندما يرسم الفنان الأيقونة فإنه يرسم صورة الله وصورة عيسى في نفس الوقت دون فصل أو تمييز بينهما، فالناظر إلى الأيقونة -بزعمهم- يرى صورة طبق الأصل لصورة الله المتجسد، فهو يرى صورة اللاهوت والناسوت معًا!
يقول د/ ديمتريوس: "يحاول راسم الأيقونة المتفق مع لاهوت الكنيسة أن يجعل حضور النعمة والقوة الإلهية غير المخلوقة أمرًا ملموسًا، وذلك من خلال وسائل فنية معينة" اهـ.
ولا ندري أين توجد هذه الوسائل الفنية التي تستطيع أن ترسم صورة الله؟!
وهل هي وسائل مخلوقة أم هي الأخرى وسائل لاهوتية غير مخلوقة؟!
وهل اتحد لاهوت الرب بتلك الوسائل كما اتحد بلاهوت "المسيح"، وكما اتحدت صفاته بالصور والتماثيل؟!
وإن مَن كان عنده أدنى عقل ليتعجب أشد العجب من شرحهم لتلك الوسائل الفنية المعينة التي استطاعوا بها أن يُظهروا لاهوت الرب في الأيقونة! تجد أحدهم يعلق على صورة لقيامة "المسيح" من القبر وهو يلبس قميصًا أبيضَ براقـًا فيقول: "إن اللون الأبيض دليل لاهوته"! وصورة أخرى يظهر فيها "المسيح" بين تلاميذه، وتكون صورة "المسيح" أكبر بالنسبة لصورة تلاميذه، فيعلق أحدهم على ذلك بأن ذلك دليل لاهوته!
فيا لها من وسائل فنية "معينة"!