صاعقة "أوهايو".. هل أصابت لاهوت المسيح؟!
أحمد الفيشاوي • مذاهب فكرية في الميزان
ويبين الأنبا رافائيل -في مقاله المشار إليه "الأساس اللاهوتي للأيقونة"- أن عقيدة "التجسد الإلهي" هي المبرر الأساس؛ لتجويز الصورة، ويعلل النهي عن اتخاذ الصور والتماثيل في "العهد القديم" -توراة موسى وكتب الأنبياء- بأنه لم يكن الإله قد تجسد بعد، ولذلك فإن عهد الناموس كان ينهى عن ذلك؛ لأن الله كان إلى ذلك العهد غير منظور، ولكن بعد ما تجسد الله في "المسيح" وبعد أن جاء عهد النعمة -أي: عهد "الإنجيل"- فقد تغير الوضع بسبب "التجسد"، فـ"التجسد قدس المادة وأعاد إليها بهاءها الأول، وإمكانية اتحاد الله بالإنسان وتجليه في المادة (5) ، وبناءً على ذلك فيمكننا أن نرسم صورة "المسيح" الذي هو صورة الله حتى نؤكد هذا الحضور الإلهي، فنحن لا نعبد الخشب ولا الألوان ولا الأوراق، بل نعبد الله الحي، ونكرم صورته" اهـ باختصار .
ويمكن أن نوجز ما تمثله التماثيل والأيقونات بالنسبة للنصارى في ثلاث نقاط -وفق عدد "التثليث"-:
1- تتفق فرق النصارى -على اختلاف عقائدها ومذاهبها- على كون تلك الصور أو التماثيل رموزًا دينية مقدسة، إما ترمز لمعبودهم "المسيح"، أو ترمز لملتهم عمومًا.
2- يعتقد النصارى جواز حلول الله -ذاته أو صفته- في المادة المخلوقة -"المسيح" أو غيره- وهم وإن كان قولهم ظاهرًا في حلول الرب في جسد "المسيح"؛ إلا أنه لا يوجد لديهم مانع من حلوله في غيره من المخلوقات؛ لا سيما الأيقونات والتماثيل التي ترمز للمسيح، بل وصرَّح أكثر من واحد من أكابرهم بهذا الحلول، وإن كانوا يفسرونه بحلول الصفة لا حلول الذات.
3- يعتبر النصارى صورة "المسيح" -عليه السلام- الموجودة في الأيقونات أو في التماثيل صورة حقيقية لله -تبارك وتعالى عما يقولون-، فلا يمكن أن يقال -عندهم- لهذه الصور إلا إنها صورة "الرب المتأنس"، ولا يجوز أن تنسب هذه الصور للناسوت دون اللاهوت.
ورغم أن الله -تعالى- قد أبقى بكتب أهل الكتاب ما ينقض اعتقادهم ويبين وثنيتهم وكفرهم؛ إلا أن حجة الله -تعالى- وآياته في خلقه تتنوع وتتجدد، ويعضد بعضها بعضًا.
فقد تناقل العالـَم خبر صاعقة بمدينة "مونرو" بولاية "أوهايو" الأمريكية، إذ أصابت الصاعقة تمثالاً ضخمًا للمسيح -عليه السلام- كان مقامًا أمام كنيسة الصخرة العظيمة؛ مما تسبب في احتراقه وتحوله إلى رماد وأشلاء متفحمة في نحو ست دقائق، ولم يبقَ من جسم التمثال سوى الهيكل المعدني المدعم لتماسك التمثال، وبعض القطع المعدنية الفولاذية والمواد المتفحمة.
والجدير بالذكر أن التمثال كان يتوسط بحيرة ماء صناعية مما يعني أن الصاعقة نزلت على التمثال مباشرة.
ويعتبر هذا التمثال من الفنون الدينية المميزة لدى النصارى، يبلغ ارتفاعه 19 مترًا، أي: ما يربو على ستة أدوار سكنية، بُني هذا التمثال عام 1994م بتكلفة بلغت حينها 250 ألف دولار أمريكي، ولعل من أسباب شهرة ذلك التمثال اسمه القبيح الذي سُمي به عقب بنائه، فقد سُمي بتمثال: "ملك الملوك"؛ تبعًا لعقيدة النصارى في "المسيح" -عليه السلام-.
وإذا استحضرنا النقاط الثلاث المتعلقة باعتقادهم في الصور والتماثيل فنحن نسألهم:
1- أين كان ملك الملوك ورب الأرباب حينما نزلت تلك الصاعقة على صورته ومثاله؟! أرضي أن يُهان وتحرق وهي عَلم على دينه وأقنومه، أم كان ذلك بغير إذنه ومشيئته، أم غلبَه على ذلك غالب؟!
وإذا كان مصممو التمثال قد نسوا أن يضعوا بقربه مانعًا للصواعق أو غير ذلك من وسائل حمايته؛ فلماذا لم يحفظ الرب تمثاله وصورته، أم أنه لا يستطيع أن يحفظ تمثاله بدون تلك الأسباب؟!
إننا لو تصورنا -جدلاً- أنْ كان للرب صورة وتمثالاً؛ لكانت تلك الصور والتماثيل أقدس وأطهر من أن يصيبها أدنى أذى، لا بصاعقة ولا بغيرها؛ بل تكون إصابتها بصاعقة سماوية أدل على بطلان تلك الصور والتماثيل وغضب الرب على من صنعها وصوَّرها، لا سيما وقد سموا ذلك التمثال بـ"ملك الملوك"، وفي الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ أخْنـَعَ اسْمٍ عِند اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ ) (متفق عليه) ، وفي الحديث الآخر: ( وَاشْتَدَّ غَضَبُ اللهِ عَلَى رَجُلٍ تَسَمَّى بِمَلِكِ الأَمْلاكِ، لا مَلِكَ إِلا اللهُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) (6) .
2- إذا كان اللاهوت يظهر بشكل ما في الصور والتماثيل فهل احترق اللاهوت في صاعقة "أوهايو"، أم أنه هرب ونجا بنفسه تاركًا جسده ومأواه للنار؟! وأي صاعقة هذه التي جرأت أن تقترب من جسد يحضره الرب؟! وكيف لم يعضد اللاهوت ذلك التمثال حتى أنه لم يصمد أمام الحريق أكثر من ست دقائق؟!
أم أن العذاب الذي سامه اليهود والرومان -على قولكم في "المسيح"- لم يكن كافيًا للعمل الكفاري الخلاصي الذي تزعمونه؟! أم أن عدل الله ورحمته اقتضى أن يعذب لاهوته بين الحين والآخر؛ لتكفير ما يستجد من ذنوب؟!
3- تهافتَ سكان المدينة على التقاط القطع المعدنية التي لم تحترق في التمثال ، وذلك لغرض التمسُّح والتبرك بها، فهل هذه القطع المعدنية ما زالت مقدسة ومباركة حتى بعد الحريق؟!
وهل فارق اللاهوت تلك القطع المعدنية الباقية أم ما يزال الرب حاضرًا بالنعمة والقوة في تلك الأشلاء المقطعة؟!
أم أن بقاء تلك القطع المعدنية دون انصهار دليلٌ جديد على لاهوت المسيح؟! (7) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تراجعت "الكنيسة الأرثوذكسية" في العصر الحديث عن محاربتها لاتخاذ التماثيل، وأصبح من المعتاد أن ترى "الأرثوذكس" وهم يشترون تمثال الإله، بعد أن ظلوا أزمنة طويلة يعيبون ما يفعلونه اليوم على "الكنائس الكاثوليكية".
(2) خصصنا الكلام هنا على حضور اللاهوت بالصور والتماثيل، وإن كانوا يصرحون بحلوله بغيرها، كزعمهم بحلوله بالفطير الذي يتناولونه في ليلة العشاء الرباني "سر الأفخارستيا"، والأمر عندهم أوسع من ذلك مما لا يسع المقام لبيانه هنا.
(3) محاضرة ألقاها بمعهد "القديس يوحنا الدمشقي" بجامعة البلمند بتاريخ 12/ 1/ 2002م، وترجمها عن الألمانية د/ دانيال عيوش.
(4) أسقف عام الكنيسة الأرثوذكسية القبطية لكنائس وسط القاهرة.