قانون التبني لغير المسلمين
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نظرت المحاكم المصرية قضايا اتِّجار بأطفال من نتاج علاقات زنا، وتم بيعهم إلى أسر خارج مصر، واعترف المتهمون بجريمتهم تفصيليًّا، وصدرت بحقهم أحكام سجن متفاوتة المدة تم تأييدها في "محكمة النقض" -أعلى درجة محاكم في "مصر"-، وفي أثناء تداول القضية في المحاكم خرج محامي الكنيسة "نجيب جبرائيل" بمشروع قانون يبيح تبني النصارى للأطفال؛ لتحجيم جريمة الاتجار بالأطفال، وفي الواقع فإن القانون الذي قدمه ما هو إلا تقنين لهذه الجريمة، وليس تحجيمًا لها!
وقد رفع محامي الكنيسة مشروع القانون إلى شيخ الأزهر السابق الدكتور طنطاوي؛ فأحاله إلى "مجمع البحوث الإسلامية"، والذي رفضه بالإجماع، ثم حدث حكم المحكمة الذي ألزم الكنيسة بالقانون المأخوذ من لائحة 1938م المعدة بواسطة الكنيسة وقتها، وهو ما رفضته الكنيسة؛ ومِنْ ثمَّ تم التعجيل بمشروع "قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين" بحيث يوفق القانون على وفق رؤية البطريرك الحالي للكنيسة الأرثوذكسية لمسألة الطلاق والزواج الثاني، ويحاول "الكاثوليك" و"البروتستانت" إدراج مادة تبيح التبني في هذا القانون وسط اعتراضات من بطريرك "الأرثوذكس" مطالبًا بعدم استثارة المسلمين، وإن كان البعض يرى أن موقف بطريرك "الأرثوذكس" نابع من رغبته الملحة في سرعة إصدار قانون يقصر الطلاق على علة الزنا، ولذلك فهو لا يريد أن يعرقل هذه الخطوة من أجل مشروع التبني، ولعل الأقرب أن يقال: إن جرائم الاتجار بالأطفال تمت على أيدي "كاثوليك" و"بروتستانت"، وتم بيعهم في الخارج؛ مما يجعله يخشى على "الأرثوذكس" من التعرض لعمليات خطف مشابهة في ظل الحرب التبشيرية بين هذه الطوائف.
وفي هذا السياق امتلأت وسائل الإعلام بدفاع النصارى عن التبني، وإسرافهم في سرد محاسنه من وجهة نظرهم.
وقد استند كل من النصارى ووزارة العدل في المبدإ الذي قام عليه هذا القانون إلى المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، وأن الشريعة قد سمحت لغير المسلم أن يحتكم إلى شريعته، وهو حق في ذاته، ولكن الذي يثير الدهشة أن يتفق على هذا الطلب الكنيسة والعلمانيون من المسلمين ومن النصارى رغم أنهم يعارضون تطبيق المادة الثانية من الدستور على المسلمين، وهو أمر ينبغي أن يُضاف إلى عجائب الدنيا السبع! وممن نوَّه إلى ذلك الكاتب النصراني "رفيق حبيب"، والذي كتب في جريدة "المصريون" بتاريخ 29-6-2010 تحت عنوان: "الدولة والكنيسة والشريعة" مقالاً نقتبس منه تلك الفقرة الختامية التي يقول فيها:
"وكأن الشريعة متمثلة في المادة الثانية من الدستور أصبحت تخص الجماعة المسيحية، وترفض أكثر ما ترفض من الجماعة المسيحية، وأصبحت الشريعة عنوانًا تهرب منه الدولة في مواجهة المسلمين، وتحتمي به الدولة لحل مشكلاتها مع المسيحيين، وهكذا تصبح الأمور في غير نصابها؛ مما يؤدي إلى حالة متناقضة، وهو ما ينذر بحالة اضطراب داخل بنية المجتمع، ويؤذن بمرحلة تتعمق فيها العلاقات الملتهبة بين الدولة والكنيسة والجماعة المسلمة.
وعلى الجانب الآخر من الصورة نجد الكنيسة تعيد للمجال العام الحوار حول الشريعة، وتبرز أهمية الشريعة بالنسبة للمسيحيين، وهو ما يعني -ضمنًا وبالضرورة- أهميتها بالنسبة للمسلمين.
ونجد الكنيسة تمارس سلوكًا عمليًّا على الأرض يعيد مرجعية الدين، ويعضد المشروع الإسلامي بكل أركانه، وبهذا يصبح فعل الكنيسة والجماعة المسيحية -رغم عنوانه العلماني البارز- هو فعل مؤسس للمرجعية الدينية للمجتمع، ورغم تناقضه علنيًا مع المشروع الإسلامي؛ ولكنه يعمق دور الدين في حياة المجتمع، وكأن الكنيسة أو بعضها، والجماعة المسيحية أو بعضها، ورغم أنها ترفع شعار القومية المصرية والعلمانية؛ إلا أن سلوكها في الواقع يعضد ويعمق الانتماء الديني، ويصب -رغمًا عنها- في صالح المشروع الإسلامي".
الحاصل أن تقرير مبدإ السماح للنصارى بالتحاكم إلى شريعتهم قد فتح شهيتهم فطالبوا بإضافة مادة تعطي حق التبني للنصارى على ألا يُسمح لهم بتبني طفل مسلم، مع أن هذا لا يُؤمَن معه عدم الاستغلال السيء، كما أن مشروع القانون بهذه الصورة يبيح تبني النصراني لمجهول النسب، وهو أمر مخالف للشريعة كما سيأتي بيانه -إن شاء الله-، وهذه تعتبر أكبر الانحرافات في هذا المشروع.
وبعد هذا التمهيد نجمل كلامنا في النقاط التالية:
1- الحكمة الشرعية في تحريم التبني، وبيان أن مصالحه موجودة في بديل بلا مفسدة، وهو كفالة اليتيم.
2- بيان أن اللقيط في بلاد المسلمين مسلم، وبالتالي لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يسمح بتبنيه.
3- بيان خطورة إقرار التبني بين النصارى على المجتمع المسلم.
4- بيان حكم التبني في النصرانية، وأنه حكم وضعي لا ينتسب حتى إلى "الأناجيل" التي في أيديهم.
أولاً: الحكمة الشرعية من تحريم التبني:
التبني عادة جاهلية قديمة فيها بعض المصالح من حصول المتبنى على أسرة بديلة، وتحصل الأسرة على ابن يكون عونًا وقرة عين لها، لا سيما إذا كانت الأسرة محرومة من الإنجاب، وكان الطفل لقيطـًا، وربما تم التبني في غير هذه الظروف كأن يرغب أحد في نسبة ولد إليه لنجابته، ورغبة ولد في الانتساب إلى غير أبيه لماله أو لوجاهته، بيد أن الأمور لا ينبغي أن تُؤخذ من جانب واحد، ولابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد كما قال -تعالى-: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ) (البقرة:219) .
وإذا تأملنا في التبني وجدنا مفاسد كثيرة، منها:
1- اعتبار الطفل المتبنى بعد بلوغه محرمًا لمن تبنته ولسائر المحارم الافتراضيين، مع أنه ليس لديه الوازع الفطري الذي يجعلهن لسنَ محلاً للشهوة، وإذا كانت الحضارة الغربية قد رمتنا ببلائها من نكاح المحارم الذي يزعم "العهد القديم" وقوعه أكثر من مرة في أسر الأنبياء، بل مِنْ الأنبياء أنفسهم كما نسبوا ذلك إلى لوط -عليه السلام-، فإذا كان هذا يقع مع وجود الوازع الفطري؛ فكيف عند غيابه؟!