قانون التبني لغير المسلمين
الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان
2- يحصل في كثير من الأحيان أن يحدث التبني؛ لأن الأسرة لا تنجب، ثم يرزقون بالولد؛ فيحدث تغيرًا كبيرًا في الشعور، وربما تخلصوا من المتبنى بالقتل، ونحوه.
3- يحدث كثيرًا بين الأشقاء من الصراع على الميراث ما لا يمكن أن ينكر، والنصارى ينسبون لعيسى -عليه السلام- قصة الشاب الذي جاء يطلب منه قسمة الميراث بينه وبين أخيه؛ فرفض، والشاهد منها حدوث النزاع في قسمة الميراث؛ فكيف إذا عرف من يستحق الميراث أصلاً أن الميراث سوف يؤول إلى هذا الدخيل، وربما كان المال موروثًا عن أبيهم أو جدهم؟!
وهذه المفاسد موجودة في تبني اللقيط، وفي تبني معلوم النسب، ويزيد الأمر في حالة معلوم النسب مفاسد، منها:
1- اختلاط الأنساب حيث يُنسب المتبنى إلى الأسرة الجديدة، وربما عاد هو أو أحد أبنائه، وتزوج إحدى محارمه وهو أمر يفسد الأخلاق فضلاً أنه سبب لكثير من الأمراض الوراثية المعروفة.
2- نسبة المتبنى إلى غير أبيه -إن تم-، وهو عاقل مدرك؛ ففيه الانتساب إلى غير أبيه، وهو غاية الجحود وإنكار حق الوالدين، وقطيعة الرحم!
3- وأما إذا كان بالتراضي بين الأسرتين حال صغر الطفل ففيه غاية الجحود من الأسرة البائعة لنعمة الولد، وأما ما اقترحه مشروع القانون بأن يُعطى الأبوين البائعين حق الرؤية؛ فهذا معناه أن يعيش المتبنى بعد ذلك وله أبوان وأُمَّان، وعجبًا لمن يمنعون تعدد الزوجات كيف يسمحون بتعدد الآباء والأمهات، وعجبًا لدكاكين حقوق الإنسان كيف تدعم مثل هذا الاستخفاف البالغ بقيمة الإنسان؟!
من أجل ذلك حرَّم الإسلام التبني بكل صوره؛ فقال -تعالى-: ( ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ) (الأحزاب:5).
كما بالغ الإسلام في الزجر عن التبني في حالة معلوم النسب؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ انْتَسَبَ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ؛ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، ومنع من إلحاق الزاني لثمرة الزنا؛ فقال: ( الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ) (متفق عليه)، وفي هذا سد لذريعة الزنا، وعدم اعتباره وسيلة للحصول على ثمرة الحياة الدنيا "الأولاد".
فإن قال قائل: ماذا عن المصالح الموجودة في التبني؟
قلنا: إن الشرع قد حققها -بفضل الله تعالى- عن طريق:
1- رعاية الأسر المحتاجة بدلاً من شراء أبنائهم منهم.
2- وأما في حق اللقيط واليتيم؛ فعن طريق الكفالة التي بالغ النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيان فضلها، فقال: ( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى ) (رواه البخاري).
ويمكن أن تتحول الكفالة إلى بنوة في الرضاعة إذا ما أمكن إرضاع الطفل عن طريق حاضنته أو إحدى قريباتها في حالة كونه ذكر، ومن قِبَل إحدى قريبات الزوج في حالة كون المتبنى أنثى.
وهو أمر يختلف عن التبني في أمور:
الأول: أن بنوة الرضاعة لا تنتشر انتشار النسب، وإنما تسري إلى فروع الرضيع دون أصوله وحواشيه.
الثاني: أنه يترتب عليها محرميه، ولا يترتب عليها استحقاق ميراث.
الثالث: أن الرضاعة تنشئ وشيجة فعلية بين المتبنى ومرضعته، وهذا أمر يعرفه الأطباء قديمًا وحديثًا، ولذلك اشترط الشرع أن تتم الرضاعة في سن السنتين؛ كما صح في الأثر ( إنَّمَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا أَنْبَتَ اللَّحْمَ، وَأَنْشَزَ الْعَظْمَ ) ، وقد أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن تتم الرضاعة لسالم مولى أبي حذيفة في الكبر؛ لأنه كان متبنى فعلاً عند نزول تحريم التبني؛ فاستعيض عنه بالرضاع.
وقد قَصَر جمهور أهل العلم الرخصة على هذه الواقعة؛ لعدم إمكان تكررها، بينما عداها البعض إلى مثيلاتها من وجود ولد وأم تواجد بينهم شعور الأمومة والبنوة المتبادلة لسبب أو لآخر "كأن يكون هناك تبني عن جهل أو نحو ذلك"؛ فترضعه على كبر، ومن المُسَلَّم به أنه إذا رضع عن كبر؛ فإن هذا يتم بأن تستحلب له في إناء ثم يشربه.
والعجيب من أمر المنصرين الذين ينتقدون حديث "رضاع الكبير" رغم أنه رخصة استثنائية بهذه الصورة، بينما يبيحون التبني الذي يصبح به شخص أجنبي ابنًا لمن تبنته بمجرد جرة قلم، ودونما رضاع في كبر ولا صغر!
وبهذا يتبين أن الشرع قد شجع التكافل وبنوة الرضاعة، وإعانة القراء والمساكين، مما لا يَبقى معه حاجة إلى تحمل مفاسد التبني.
ثانيًا: بيان أن اللقيط في بلاد المسلمين مسلم لا يجوز لغير المسلم تبنيه -وإن كان ذلك جائزًا في دينه -: قال -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ) (متفق عليه)، وهذا يدل أنه لو لم يتم عميلة تغيير الفطرة بواسطة الأبوين فإن الطفل يبقى مسلمًا.
من عجائب التدبير الإلهي أن يفهم النصارى الرواية الواردة عندهم من أن عيسى -عليه السلام- اغتسل في نهر الأردن أن المرء لا يصير مؤمنًا بعرفهم ولو اعتقد كل عقائدهم إلا أن يعمد بواسطة كاهن، وبطقوس معينة؛ فكان هذا إمعانًا في معاندة الفطرة، ثم يقولون: إن هذا هو دين الرحمة والتسامح!
وإذا كان النصارى لا يرون البالغ الذي يرى عقائدهم على دينهم إلا إذا عُمد؛ فمن باب أولى اللقيط.
وممن انتبه إلى هذا الدكتور "مصطفي الشكعة" -عضو "مجمع البحوث الإسلامية"- كما لخصت مجلة "روزا اليوسف" في عددها الصادر 12 - ديسمبر 2009 رأيه في مشروع القانون الذي تقدم به جبرائيل بقولها: "قال الدكتور مصطفي الشكعة - عضو "مجمع البحوث الإسلامية"-: المسيحيون أحرار في شئون شريعتهم ما لم تصطدم هذه الشريعة مع الإسلام، والإسلام لا يتدخل في شريعة الآخرين، وإنما كل ما يمكن أن نخشاه هو أن يكون التبني لأبناء المسلمين عن طريق اللقطاء.. فالطفل اللقيط غير معروف إن كان ابنًا لمسلم أم لمسيحي!