شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

قانون التبني لغير المسلمين

الشيخ عبدالمنعم الشحات • مذاهب فكرية في الميزان

وقد أضاف بعضهم مستندًا من "الإنجيل" لقضية التبني، وهو تبنى "يوسف النجار" لعيسى -عليه السلام- ولا ندرى أذهل عنه "بيشوي" أم خشي أن يتطرق إليه في سياق الكلام على أبناء الزنا، وفي الواقع أن الرواية الإنجيلية لقصة ميلاد عيسى -عليه السلام- ونسبته إلى خطيب أمه، وفراره بهما إلى "مصر"، ثم عودته، وما تكرر خلال القصة من ذكر "يوسف النجار" بأنه أبوه ومن مجيء أمه وإخوته إليه؛ ليصب في خانة تصديق الرواية اليهودية بأن "عيسى" -عليه السلام، حاشاه- ابن زنا؛ بخلاف الرواية القرآنية.

وعلى أي فإنه بالنظر إلى هذا الدليل فإننا نجد أن قصة عيسى -عليه السلام- وفقًا للرواية الإنجيلية غير قابلة للقياس عليها لخصوصية حالته، ولخصوصية أمر الملاك لـ"يوسف النجار" أن يضم الغلام إليه -وفق الرواية الإنجيلية-، كما أن دليل التبني العام مِنْ الله لكل أتباع ديانتهم لا ينتهض دليلاً لقياس الإنسان على الله، والإله على الإنسان، ثم هو تبنٍ مجازي لا حقيقي؛ فلا يثبت فيه نسب ولا ميراث، ولا حرمة الزواج من البعض وإباحته من البعض.

فيحصل من ذلك: أن النصرانية ليس لها موقف محدد من التبني، ومِنْ ثمَّ يكون تشريع التبني من الكنيسة تشريعًا مدنيًا تتولاه الكنيسة، وليس تشريعًا إنجيليًّا يُسمح لهم فيه بتطبيق شريعتهم

وقد بين الكاتب النصراني "رفيق حبيب" خطورة هذا المسلك على النظام العام في مقالة نشرت في جريدة "المصريون" بتاريخ 25-5-2010 تحت عنوان: "الأقباط وتفكيك الرابط الثقافي" جاء فيها:

"ولكن الجماعة المسيحية، والتي توافقت على تطبيق شريعتها في "قانون الأحوال الشخصية"، بدأت في محاولة توسيع نطاق تميزها القانوني، وبدأ هذا بمسألة "التبني"، حيث طالب البعض بالسماح للمسيحيين بالتبني، وتسجيل الطفل باسم متبنيه، رغم أن هذا يتعارض مع قواعد سلامة النسب ووضوحه، وهي قواعد ثقافية وحضارية توافق عليها المجتمع المصري، الذي لا يقبل اختلاط الأنساب أو غموضها أو التلاعب بها، ثم تلا ذلك الحديث عن قوانين المواريث، رغم أن الجماعة المسيحية في "مصر"، لم تقل: إن لها شريعة خاصة في المواريث عبر تاريخها الطويل؛ لأنها لم تشأ الالتزام بشريعة "العهد القديم"؛ لذا توافقت على الالتزام بالقانون العام المستمد من الشريعة الإسلامية، والذي يتوافق مع النظام الاجتماعي للأسرة السائد في التقاليد المصرية.

ولكن بعض الأصوات بدأت تطالب بعدم تطبيق الشريعة الإسلامية على المسيحيين في موضوع المواريث، ولكنها لم تطالب بتطبيق شريعة "العهد القديم" من "الكتاب المقدس" على المسيحيين، بل طالبت بتطبيق قانون يختاره المسيحيين، وكأننا بصدد حالة سوف تقوم الكنيسة فيها بالتشريع للجماعة المسيحية، ولكن ليس حسب شريعة "الكتاب المقدس"، بل حسب ما تراه الكنيسة، وهذا يعني أن الكنيسة قد أصبحت برلمان "الأقباط" غير المنتخب، والذي يتولى التشريع للجماعة المسيحية بعيدًا عن النظام السياسي والسلطة التشريعية، وكأن الكنيسة أصبحت بالفعل دولة داخل الدولة، وهذا في الواقع مرحلة من مراحل فك الارتباط الثقافي والحضاري، وفك الارتباط السياسي، بل وفك روابط المجتمع.

فالشريعة الإسلامية لم تعطي للجماعة المسيحية حق أن تشرع لنفسها، بل أعطت لها حق أن تلتزم بشريعتها في الأحوال الشخصية، وعندئذ تصبح الكنيسة هي الجهة التي تحدد شريعة "الإنجيل"، بما سمح بخروج تشريع لا يأتي من السلطة التشريعية، والتي لا تملك إلا الموافقة على ما رأته الكنيسة معبرًا عن شريعتها المسيحية، وهي حالة لم تتحقق لأي جماعة طبقًا للقوانين الوضعية أو العلمانية، لكن الحادث -الآن- يمثل مرحلة تحاول فيها الجماعة المسيحية تمييز نفسها، وتجد سندًا من الكنيسة أو بعضها، لحد يجعل التوجه العام لدى الجماعة المسيحية يتجه نحو فك الروابط الثقافية مع الجماعة المسلمة، وهذا التوجه يمثل خطرًا على المجتمع، وسوف يجعل "الأقباط" أقلية ثقافية وحضارية في المجتمع، وكأنها جالية خاصة، فتتراجع مكانة الجماعة المسيحية، من كونها مكوّن رئيس في المجتمع المصري، إلى مكون منعزل عن المجتمع؛ فتصبح جماعة خاصة مغلقة".

نخلص من ذلك أن "قانون التبني" لغير المسلمين المزمع تقريره مليء بالقنابل الموقوتة، أشدها خطرًا: إباحة تبني النصراني لمجهول النسب، نسأل الله أن عصمنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومن عجيب أمر الكنيسة أنها ترد على من يطلب الطلاق؛ لاستحالة العشرة بينه وبين زوجته أو استحالة العشرة بينها وبين زوجها أنهما لو أحسنا الاختيار ابتداءً؛ لما احتاجا إلى الطلاق! وحاصل الكلام أن سوء اختيارهما ليس له من حل أو خلاص إلا بقتل أحدهما الآخر أو الزنا، ثم يحلون لهم مشكلة الزنا بإباحة التبني، والذي يمكن من خلاله أن يلحق الزاني ثمرة الزنا بنسبه، ويكون عند الكنيسة نسبًا صحيحًا، وأما الطلاق والزواج كما كان أنبياء "العهد القديم" يفعلون -باعترافهم- فلا يقبلونه- فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة-!

(2) إذن النصرانية لا تكتفي بإثبات بنوة عيسى -عليه السلام- لله -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-، ولكنهم يضيفون إليها بنوة كل أتباع هذه الديانة، ولكنها في هذه المرة بالتبني؛ فهل نفهم أن بنوة عيسى -عليه السلام- لله -في زعمهم- بالنسب أم بالتبني هي الأخرى أم بطريق ثالث؟! وبناءً على هذا الزعم ألا يكفي اللقيط أن يتنباه الله وما حاجته إلى أن يتبناه أحد من البشر.

(3) لا ندري من أين أتى بهذا الزعم و"العهد القديم" ليس فيه ميراث للبنات أصلاً إلا إذا عدم الأبناء الذكور، و"العهد الجديد" فيه امتناع عيسى -عليه السلام- عن قسمة الميراث حتى بين أخوين، وقد فسرته الكنيسة أن هذا نوع من نفي وجود أي تشريع للميراث في النصرانية؛ هربًا من القول بقانون الميراث في "العهد القديم" الذي بين أيديهم، وأما ادعاء المساواة فهي شريعة "بيشوي".

الصفحة السابقة الصفحة التالية