حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (1-2)
علاء الدين عبد الهادي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا يخفى على أحد ما تعيشه أمتنا الحبيبة من حال تفرق وضعف، في الوقت الذي يأمرنا فيه ربنا بعكس ذلك حيث يقول -سبحانه-: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ) (آل عمران: 103).
وكم فينا ممن يصر بجهل وعناد على التشرذم والتنازع، بينما يحذرنا ربنا من مغبة ذلك من فشل وخسران: ( حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ) (آل عمران:152)؟ !
ويأبى أكثرنا إلا أن نكون أممًا شتى متناحرة متنافسة، والله -سبحانه- نبَّهنا على كوننا أمة واحدة إذ يقول: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، ولئن كان هذا هو وصف حال الأمة -وهو مؤلم بلا شك- إلا أن هذا الألم يزداد حدة حينما يتعلق الأمر بالصحوة الإسلامية المباركة؛ إذ أبناؤها هم أمل الأمة وعمادها وذخرها في مواجهة أعدائها، والصف المحارب فيها؛ فكيف يقعون في هذه المهاوي؟ !
إن أبناء الصحوة يتحملون مسئولية عظيمة تجاه أمتهم، وعليهم أن يكونوا هم المثل والقدوة والسباقين في أبواب الخير كلها وكل ما ينفع أمتهم ويرقيها، ولكن القلب يكاد أن ينفطر وقد شاهد هذا التفرق والنزاع وقد أصاب الأمة في أبناء صحوتها حتى أصبحوا وقد شغلوا -ولا حول ولا قوة إلا بالله- بأنفسهم، وبالكثير من الحروب المستنزِفة لطاقتهم والتي تهدد الصف الإسلامي من الداخل، وإن لم تهدمه فإنها تفشله وتعطله عن بلوغ غايات المجد، فكم كثرت الفرق والأهواء والمذاهب والأفكار، ووجدنا أنفسنا ونحن ننسى كل شيء إلا معاركنا وتصفية حساباتنا مع أبناء جلدتنا وبني صحوتنا، حتى صارت لدينا القدرة العجيبة لتحويل بعض المسائل الدقيقة إلى حجر أساس تبنى عليه دعوة جديدة تشق الصف، ومنهج يتمايز به أصحابه ويزعم أنه الحق الذي لا مرية فيه، وأن كل من عداه فهو على باطل وضلال، وإن أتى صاحبه بكل خير وفضيلة؛ حيث لم يتسم باسمنا، ولم ير رأينا، ولم يكن في صفنا حربًا على غيرنا !
ولعل المخرج من هذا المأزق يتمثل في إخلاص النية لله في طلب الحق مجردًا عن حظوظ النفس، والالتفاف حول العلماء الربانيين، مع النصح الخالص للمخالف، ومحاورته ومجادلته بالتي هي أحسن؛ حتى لا ينزغ الشيطان بين أبناء الأمة الواقفين على ثغورها .
وهذه الأخيرة -الحوار الحكيم- هي موضوع هذا المقال ومبتغاه؛ حيث نعرض فيه لبعض المزالق التي تعتري ما يحدث بين أبناء الأمة من محاورات ومجادلات، فهو يجمع أخطاءً شائعة تمثل آفات حقيقية تحُول دون التواصل الجيد بين أبناء الدين الواحد واللغة الواحدة والهم الواحد، هذا التواصل المنشود هو خطوة على طريق طويل يمثل توحد الأمة خلف إمامها المبين -القرآن والسنة- بالفَهم الذي أراده الله وارتضاه لنا -سبحانه-، وتوحد الأمة مطلب شرعي، والحوار وسيلته، ولكنه لن يحدث بالصورة المرجوة إلا إن تخلينا عن هذه المزالق المذكورة لاحقـًا وغيرها .
ونحن نعرض هنا هذه الآفات ناصحين لأنفسنا أولاً، ولإخواننا ثانيًا مهما اختلفت مشاربهم وأفكارهم ومعتقداتهم؛ علها تَلقى لدى الجميع القبول فيحذرون من الوقوع فيها هم أنفسهم، ويحذرون منها إخوانهم؛ فنصبح ونحن أقرب إلى الله، وأحب إلى عباد الله، وأرقى في حوارنا، وأقرب إلى مقصودنا .
حوار أم شجار؟
المتابع للإسلاميين بصفة عامة وعلى الإنترنت بصفة خاصة يجد لهم -بفضل الله- تواجدًا ملحوظـًا، وتأثيرًا لا ينكر، وأينما حللت وارتحلت في العالم الحقيقي أو العالم الافتراضي وجدتهم وقد ملئوا السهل والوادي بما تجود به قرائحهم: بكلمة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، لا سيما المجالات التفاعلية: كساحات الحوار مثلاً .
والمتقصي لحال ساحات الحوار هذه -خاصة المنتديات "الساخنة" منها والتي تكاد تنحصر بين أبناء الصحوة- قد يذهل من كم التوجهات المتضاربة، والردود المتتابعة المتداخلة، والموافقات والمخالفات والتشعبات، والسباب المقذع، والمديح المتهور، وطرح رؤى من أقصى اليمين تارة وأقصى اليسار تارة أخرى، ولعل هذا المتابع لهذا الخط الحواري بين المتحاورين يخلص إلى نتيجة واحدة في كل مرة، مفادها: "نحن لا نجيد التواصل" .
لا نجيد الحوار.. فقط نجيد الشجار.. إلا من رحم الله .
النصر المظفر
العجيب في كل هذه المعارك خروج كافة الأطراف غارقين في دمائهم أثخنتهم الجراح، يظن كل طرف أنه المنتصر، وحتى النصر فليست له معايير واضحة، وغالبًا فالمنتصر في عرف الناس هو من يعلو صوته أكثر، ويجد من المؤيدين عددًا أكبر، لا تخطئ عيناك ولا أذناك هذه الظاهرة حتى في مجالس الناس ومجتمعاتهم؛ فيبدو أن هذا الخلل قد تسرب إلى أبناء الصحوة من الطريقة التي تربينا بها عمومًا في مجتمعاتنا العربية؛ حيث يقل التواصل الحكيم .
أقد فرغت يا أبا الوليد؟
وأول ما نحتاجه -أيها الأفاضل- هو أن نجيد الاستماع؛ فإن من يجيد السماع يُحسن المقال، استمع وفكر وتأمل قبل أن تعمِل قلمك في الجواب، أو لسانك بالنطق، فكم مرة رأيت مَن يتحاورون في قضية ما وهم لا يسمع بعضهم بعضًا، بل لعلهم في الأساس واقفون على نفس الجانب من المسألة، ويحملون نفس الفكرة! ولكن اختلفت ألفاظهم وتعبيراتهم؛ فظنوا أنْ قد اختلفت مواقفهم، ولو أجادوا الاستماع ابتداء ووعى كل منهما ما يريد صاحبه؛ لما أضاعوا أوقاتهم واستنفدوا طاقتهم، وربما حاك في الصدر شيء من الطرف الآخر؛ فإن الجدال المذموم يميت القلوب، ويثير الشقاق، ويفرق الصف، فكن على تؤدة وروية، وأرعِ سمعك، واعقل عن محاورك مقصوده، وانتظره حتى يفرغ ما في جعبته .