شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (1-2)

علاء الدين عبد الهادي • قضايا معاصرة

هذا ومن معاني الاستماع أيضًا ومن حسن المحاورة: تحديد هدف النقاش وإيضاح موضوعه وعدم الحيدة عنه؛ فكم يقع في كلامنا كثير من التشعب وتوليد المسائل الفرعية التي تغري المتحاورين وتجذبهم وتشتت أذهانهم، وبذلك تتعدد محاور النقاش، ثم تصير المحاور الفرعية هي أيضًا غرضًا جديدًا، وموضوعًا للنقاش، وهكذا دواليك، حتى يخيل للقارئ والسامع الذي يراقب المشهد من الخارج أن هؤلاء قومٌ لا يحسنون سماعًا ولا جوابًا، وأنى لهؤلاء أن يلتقوا؟ !

سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب

الأصول أولاً

إن معرفتك لمحاورك ومنهجه تمكنك من معرفة المصادر التي ترجعان إليها سويًّا، وتستقيان منها موقفكما، وكما يحتج القانوني على القانوني بالقانون، واللغوي على اللغوي بكلام العرب؛ فاعرف أنت محدثك ومراجعكما التي تأويان إليها ويُرد إليها الخلاف، ولا شك أن أي مسلم مرجعه إلى الكتاب والسنة -أو هكذا ينبغي أن يكون- كما فهمها أهل القرون الخيرية من الصحابة الذين قال لهم ربنا: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا ) (البقرة:137) ، والقرون الخيرية التي قال فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) ، ولكن في ظل حالة التيه التي نعيشها قد تكون محتاجًا إلى تأصيل هذا المعنى حتى تحدد دائرة الخلاف، ثم تتناقش فيها بعد ذلك، لا أن تندفع إلى محاورة لا مرجعية فيها ولا أساس، وفي كثير من الأحيان لا تنتهي النقاشات إلى شيء واضح؛ لأن كل طرف له مرجعيته الخاصة، والتي تختلف عن مرجعية محاوره .

ثم إن هناك قضايا كثيرة تتعلق بمقدمات قبلها؛ لذلك فتأكد أن هذه المقدمات قد اتفقتم عليها قبل أن توغل في الجدل فيما لا طائل فيه من تفريعات ونتائج، فمثلاً قبل أن تتناقش في تطبيقات قاعدة ما تأكد أن محاورك مقر بهذه القاعدة ابتداءً، وإلا فناقشه فيها أولاً، ثم فرِّع عليها ما تشاء، فلا يصح في الأذهان أن تتجشم عناء بناء جدران لم تجعل لها أسسًا واضحة قوية.

ومن ذلك أيضًا أن تكون تعريفاتكم للقضايا محل النقاش متفقة؛ حتى لا تدوروا في دائرة مفرغة؛ فقبل أن تهاجم ديمقراطيته مثلاً وضِّح له أنك تريد بها: "حكم الشعب بالشعب حتى لو لم يكن بشرع الله"، وأنها مختلفة عن مبدإ "الشورى" في الإسلام؛ بدلاً من أن تهاجم شيئًا هو في ذهنه مرادف للعدل وصلاح الحكم .

فاحرص -أيها اللبيب- على الأصول قبل الفروع، والمقدمات قبل النتائج، وإيضاح محل النقاش بجلاء، وقبل كل ذلك احرص على الاتفاق على المراجع التي فيها فصل الخطاب .

التهويل والتهوين

أحيانـًا نقع فريسة أحد شقي تطرف حينما نركز الخلاف ونعمقه حول قضية موغلة في الجزئية، إلا أننا نهول المسألة ونجعلها نقطة فيصلية عليها مدار الأمر كله، أو قد يكون الخلاف نظريًّا أو مِن باب تحصيل الحاصل، إلا أنها عند البعض علامة فارقة على طريق الهدى أو الضلال؛ بينما نهمل واجب الوقت وكل وقت من تصحيح مفاهيم التوحيد، والدعوة إلى الشريعة الغراء، وتعلم العلم، وتعليمه الناس، وتعبيدهم لله -تبارك وتعالى-، والانتباه لما يحيق بالأمة من مخاطر عظام .

وعلى النقيض قد يعمد أحدنا إلى قضية غاية في الخطورة تمس صلب الاعتقاد، ويهون شأن الخلاف فيها، ويتهم المخالف بالسطحية والافتعال وقلب سلم الأولويات؛ فاحذر.

الصور النمطية

من مكامن ضعف التفكير عند بني البشر التأثر بالصور النمطية المرسومة في أذهاننا من وحي كلام الناس عن فئة معينة أو جماعة ما، يحدث ذلك من تراكم الأخبار المكذوبة ونسبة الأقوال بلا دليل، وربما كم النكات والطرائف الساخرة التي تطلق على هذا الطرف الذي يُحاكم غيابيًّا، دون التفكير في نقد هذه الصور أو حتى دراسة أصلها وسببها، مما يؤدي إلى أن يتعامل كل فريق منهم -إن تعامل- مع الآخر بناء على تصورات مغلوطة وأحكام مسبقة، أو على الأقل بنظرة تشكك وارتياب في جدوى الحوار معه، ولا شك أن الاحتكام إلى هذه الصورة الذهنية من قبل أن تستوثق صحتها لهو من أبلغ الظلم وضحالة التفكير الذي ينبغي أن يترفع عنه الإسلاميون، ورضي الله عن الطفيل بن عمرو الدوسي إذ ألقى القطنة وأصغى سمعه، وترك الحكمة تخاطب قلبه وعقله .

ما مقالة بلغتني عنك؟ !

إن القاعدة القرآنية تعفينا مِن كثير مما نعيشه من حروب كلامية لا طائل منها: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (الحجرات:6)، وإنَّ نقل الكلام عن الآخرين والحكم عليهم بلا بينة لهو محض ظلم ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) (النور:15) و( كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ ) (رواه مسلم) ، والسمع والخوض بالألسنة له خطر عظيم على العاقل التنبه له ( إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) (الإسراء:36) ، فإن سمعتَ عن أحد شيئًا فتثبت وتبين، وأحسِن الظن أيها الموحد؛ فهو أزكى لك وأطهر .

سموا لنا رجالكم

دائمًا تسمع: "قالوا كذا..."، و"قيل لي كذا ..."، و"سمعتُ أنه حدث كذا..."، والغريب أن بعض الأفاضل يبني مواقفه ويحارب ويهاجم مخالفيه -الذين هم إخوانه- بناءً على كلام من هذا القبيل، ولو عقل هؤلاء الناقلون والسامعون لهم لعلموا أن ديننا قائم على "حدثني فلان" الثبت الثقة الذي يعرف مواضع الكلم وخطورة الكلمة، ويحفظ ويعي، ويؤدي كما وعى، يحدث بذلك عن مثله إلى منتهاه، و"بئس مطية الرجل زعموا"، ولو عقلوا لعلموا أن الذي ينسج كلامه على: قيل وقالوا ونحوها؛ فقد نسج تصوراته كما تنسج العنكبوت بيتها: ( وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت:41) .

بين الخبر والتحليل

الصفحة السابقة الصفحة التالية