حوارات الإسلاميين وآفات التواصل (1-2)
علاء الدين عبد الهادي • قضايا معاصرة
ويقع آخرون في فخ آخر ألا وهو: "الخلط بين ما سمع وما فهم"؛ فيقول قائلهم -مثلاً-: "إن فلانـًا ينتمي للفكر الفلاني"! ولو تتبعت ما عنده لوجدت أنه سمع فلانـًا هذا يقول قولاً؛ فهداه تفكيره -بأسلوب بما أن..؛ إذن..- أنه بهذا القول قد اعتنق الفكر الفلاني، وكان المنتظر منه أن يقول: إنه قال كذا، وتحليلي أن ذلك شاهد على أنه اعتنق الفكر الفلاني .
أو يقول قائل: "فعلوا كذا لأنهم أرادوا كذا"! والأحرى به أن يقول: إنهم فعلوا كذا وأظن أنهم أرادوا كذا؛ فخلط ما علم المرء وما سمع وشاهد بما فَهِم خطر عظيم يؤدي لكثير من الخطإ .
لا تكن على المسلمين مسعر حرب
يستغل البعض الردود المختلفة لبعض المشايخ والفضلاء في مسألة ما -والخلاف وارد-؛ فيأتي أحد المتصيدين فيقول: فلان يرد على فلان! ويعمد إلى كلام الثاني ويجتزئ منه ما يفهم منه أنه رد على الأول وهجوم عليه، وأن الموضوع حرب بين طائفتين، وقد يكون كلا الطرفين ممن له تلامذة ومستمعون، فتنتقل الحمية إلى هؤلاء وهؤلاء، وتثور الفتنة، ويُنال من الأفاضل بغير جناية جنوها، ولا ذنب ارتكبوه، ولكن بشؤم عصبية جاهلية، وتصرفات غير مسئولة، وتسابق محموم على "السبق الصحفي"، ولبئس ما فعل هؤلاء المتصيِّدون، ووالله لا يدري الإنسان لم يفعلون هذا؟ وبأي نية يجترئون؟ أو لم يكفهم ما أصاب جسد أمتهم الجريح أصلاً حتى يضموا إلى جراحها المزيد؟ !
وعلى العاقل التثبت والتبين كما أمر الله –عز وجل-، ومراعاة الأدب مع الأفاضل والقدوات، وعدم التأثر بكل داعٍ للفتنة، بل دأبه دائمًا أن يقول: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (الحشر:10) ، وليقل: "أحفظ سمعي وبصري، ما علمت إلا خيرًا"، وليجتهد في التصدق على المسلمين بتوحيدهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ فإن لم يفعل فليكف أذاه عن إخوانه؛ فإنها صدقة يتصدق بها على نفسه .
نيران صديقة
قد يكون هناك شخص بِصَفـِّك يَرى ما تراه، ولكنه يسيء إلى المخالفين، ولا يحسن محاورتهم لا سؤالاً ولا جوابًا؛ فيسيء إلى منهجه، ويقدم صورة مشوهة للحق الذي يراه، فيصير كمن: "ضره أقرب من نفعه"، وفيه يصدق قول الشاعر :
رام نفعًا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقا
فيا أخي: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ) (متفق عليه) .
العالم الحقيقي والافتراضي
أصبح الإنترنت اليوم جزءًا يحتل مساحة من حياتنا ونرتبط به بصورة أو بأخرى، وهو عالم كامل بكل ما تحمله المعاني، ولكنه افتراضي أي لا وجود له حقيقة إلا على أجهزة الحاسب والخوادم وشبكات الربط ونحو هذا، ولكنه مع ذلك يعكس أفكار زواره ومبادئهم وسلوكياتهم وثقافاتهم وروابطهم الاجتماعية؛ لذلك فهو يتقاطع أيما تقاطع مع العالم الحقيقي الواقعي في حياتنا اليومية، وكل منهما له تأثير على الآخر، وأصبح ذلك العالم الافتراضي مأوى لكثير من أصحاب العالم الحقيقي، فيه قد يجدون -افتراضيًّا- ما حرموه واقعيًّا، ويلتقون –افتراضيًّا- بمن يعجزون عن الاجتماع به واقعيًّا، وقد يقولون -افتراضيًّا- ما يعجزون عن بعضه واقعيًّا، وقد يصنعون لأنفسهم -افتراضيًّا- أعرافـًا وقوانين تناظر ما يحكمهم واقعيًّا، وقد تكون لهم كذلك هوية -افتراضية- تحجب هويتهم الواقعية .
لذلك فالحوار "الافتراضي" -خاصة في المجالات التفاعلية كالمنتديات- نجده يختلف كثيرًا عن الحوار الحقيقي؛ حيث نجد كثيرًا من القدرة على المواجهة التي قد تتحول إلى مصادمة، وكثيرًا من الشجاعة التي قد تصل إلى الجرأة، والنقد الذي قد يصل إلى السب والشتم؛ ذلك يحدث حينما لا تتلاقى الأعين ولا تتواجه الأبدان، فيسقط حاجز الهيبة، ويقول المرء ما لا يستطيع قوله في الحقيقة، لا سيما وأن كثيرًا من أهل الفضل والعلم -الذين لهم مكانة وهيبة- من شتى التوجهات تضيق أوقاتهم، فيقل وجودهم بأنفسهم وشخوصهم في هذا العالم الافتراضي -غالبًا وليس في كل الأحيان-، وهم أولى بالبحث والرد والمناظرة والتوجيه، بينما يأخذ هذا المكان محبوهم ومناصروهم وأتباعهم ممن هم دونهم ممن تتسع أوقاتهم لهذه المحاورات، ويجيدون أساليب التعامل مع وسائلها الحديثة، ومن هنا نعلم لماذا تكون الإنترنت هي البيئة المناسبة لكثرة هذه النزاعات وتمددها وتعاظم حجمها عما هي عليه في الواقع في بعض الأحيان، ومِن هنا أيضًا نعلم كذلك كيف يتلقف أصحاب العالم الافتراضي بعض الكلمات لبعض المشايخ والدعاة، وربما تُجتزأ من سياقها ثم يبلغونها لبعض أهل الفضل المخالفين مبتورة مقطوعة؛ فيرد هؤلاء على أولئك فيما لم يدعوه، ويعيبون عليهم ما لم يقولوه .
وفي العالم الافتراضي أيضا ينهمك بعض إخواننا -زادهم الله حرصًا- كتابة وبحثـًا وردًّا وتفنيدًا ومحاورة، وكل ذلك لا بأس به طالما أنه في الأطر الشرعية وبالأساليب المرعية، ولكننا نهيب بهم ألا يشغلهم عالمهم الافتراضي عن عالمهم الحقيقي؛ فجهاد الكلمة والسنان له ميادين ما أكثرها، وواحد منها العالم الافتراضي، والداعية الحق هو الذي لا يترك بابًا إلا طرقه قاصدًا تزكية نفسه وإخوانه وتعليم الناس وتوجيههم من كلمة أو محاضرة أو خطبة في المسجد أو نصيحة للإخوان أو تربية للنشء المسلم أو تعليم زوجة أو دلالة جاهل أو تذكير عالم؛ آمرًا بالمعروف المقصرين فيه ناهيًا عن المنكر الواقعين فيه، والداعية أينما وجد فله أثر في البيت والسوق والمسجد ومحال العمل وغيرها من أماكن تواجد البشر، هذه هي الميادين الحقيقة التي ينبغي علينا توجيه الجهود إليها بجانب الميادين الافتراضية التي قد تشغلنا أحيانـًا؛ فاحذر -أخي- أن تجلس أنت وإخوانك في برج عاجيّ افتراضي، تتكلمون وتتناقشون وتتناصرون وتهاجمون وتدافعون، وأنتم عن أمتكم غافلون، وهي أحوج ما تكون إليكم، ولا تظنن أنك إن فعلت ما يحسن افتراضيًّا فأنت في سَعة من فعله واقعيًّا، أو أنك قد أديت ما عليك، وبلغت الدعوة، وأقمت الحجة، ونصحت لله ورسوله وعامة المسلمين وخاصتهم .
وما نيل المطالب بالتمني.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.