شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الركاب إذ يقتل بعضهم بعضًا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي مشهد مأساوي فتح سائق حافلة الموظفين بأحد فروع شركة "المقاولون العرب" النار على الموظفين الذين معه؛ فأسقط ستة قتلى، واثنين وعشرين جريحًا! واختلفت الروايات حول القصة وإن اتفقت كلها على أن الدافع هو الانتقام، ما بين قائل: "إن الانتقام هنا من الشركة كَكُل"، وقائل: "إن الانتقام كان موجهًا إلى أفراد بعينهم، وهؤلاء بعضهم"، ومن يقول: "إن الانتقام كان على خلفية شعوره بالاضطهاد في العمل"، وبين قائل: "أنها خلافات شخصية تتعلق بالتنقيب عن الآثار".

لقد بدت الحادثة أشبه برجل قرر الانتحار لضيقٍ ألم به، ولكنه قرر أن يزهق معه أرواح من رآهم متسببين في هذه الضائقة التي ألمت به؛ فقتلهم على رؤوس الأشهاد، ولم يحاول الفرار ولا الهرب!

وأيًا ما كان؛ فإن هذا الحادث يعتبر ناقوس خطر جديد يدق في الناس أن ينتبهوا لما يحدث من تغيرات غير مسبوقة على الجانب الأخلاقي والاجتماعي.

لم يكن هذا هو الناقوس الأول... ولن يكون الأخير.

فقد رأينا وسمعنا في السنوات الأخيرة العجب العجاب...

حوادث تحرش جنسي جماعي في قلب القاهرة...

جرائم جنسية لأطباء مع مريضات...

جرائم جنسية لمدرسين مع تلميذات...

حوادث تعذيب علني في وضح النهار دون مبرر ظاهر...

حوادث قتل جماعي متكررة على خلافات تافهة...

حوادث انتحار... هذا من أجل فسخه خطبة، وتلك من أجل عنوسة...

والقائمة طويلة، ولكن يبدو أن معظم آلات الاستقبال عند المعنيين بالأمر تكاد تكون معطلة!

بل تكاد تجزم أن بعض دوائر العمل الإعلامي المشبوهة تبدو مستمتعة بما يحدث، وأن بعض دكاكين حقوق الإنسان تعتبر هذه الحوادث "سبوبة" جيدة؛ لإصدار البيانات والظهور على الفضائيات؛ ليجتروا كلامًا مكررًا حول الحريات والتغيير مما لا يسمعه غيرهم، وإنما غاية ما فيه أنه يوفر لصاحبه وجاهة بين المثقفين، ويعطيه حصانة أمريكة أو أوروبية على أقل الأحوال.

أما دوائر العمل الرسمي.. فغير مشغولة بالنظرة الشاملة، فنظرة قطاع التعليم صارت منصبة على مواعيد الحضور والانصراف، وعدد أجهزة الحاسوب في المدرسة، وعدد الحمامات ونوع السيراميك دون البحث عن دور التربية الغائب في المدارس، والذي يُراد له أن يكون أكثر تغييبًا بسحب رصيد مادة التربية الدينية -الذي صار على المكشوف أصلاً منذ زمن- لصالح المادة المسخ التي يريدون أن يُحلوها مكانها أو تكون مزاحمة لها "مادة الأخلاق"، هذا في المدارس التي تحظى بالزيارات والكاميرات، وأما غيرها فجمعت "حَشفـًا وسوء كِيلة" كما يقولون!

وقِطاع السياحة لا همَّ له إلا زيادة عائد السياحة ولو على حساب فتنة الناس في دينهم عن طريق الأفواج السياحية الماجنة، وقطاعات كثيرة يعتبرون أن الأمور على ما يرام إذا ما تم السيطرة على حركة الصحوة الإسلامية كمًا وكيفًا!

والواقع: أن الحوادث التي تحدث بين الحين والأخر تؤكد أننا نتجه إلى الأسوإ فيما يتعلق بمنظومة القِيم التي تحكم المجتمع؛ وذلك أن كل مجتمع له منظومة أخلاق وقيم يعتمد استقرار المجتمع على استقرارها، وغني عن الذكر أن نقول: إنه لا سعادة في الدنيا والآخرة إلا في دين الله -تعالى-، ولكن من الممكن أن تحقق بعض المجتمعات استقرارًا ظاهريًا بنظام مخالف لشرع الله؛ بيد أنه سوف يَخرج أناس مشوهون إذا ما قورنوا بالفطرة السوية التي خلق الله الناس عليها.

ولنضرب على ذلك مثلاً بالمجتمعات التي كانت تتعامل مع المرأة كسلعة تباع وتشترى، وهي الأفكار التي كانت سائدة في أوروبا وغيرها في العصور الوسطى، فإذا وجدت التربية الاجتماعية التي تلزم النساء بالرضا بهذا الوضع؛ استمر وضع هذا المجتمع مع ما فيه من ظلم للمرأة، والذي يعود على الرجل بالظلم لفقده للسكن والرحمة، ولكنه من الممكن أن يستمر إلى وقت ما.

فإذا وقع اتجاه تمرد من النساء على هذا الوضع دون أن تَحل منظومة قيم جديدة يتراضى عليها الرجال والنساء؛ انفرط نظم عقد المجتمع، وانفكت عراه.. وهكذا العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وبين الغني والفقير، وبين الآباء والأبناء، وبين الرئيس والمرؤوس.

فإذا نظرنا إلى واقع المجتمع المصري وجدنا أن منظومة قيمه مهلهلة؛ حيث كانت قيمه في يوم من الأيام هي أخلاق الإسلام وقيمه، ثم علاها الصدأ، ودخلت عليها كثير من التصورات والموروثات الشعبية، حتى تحولت قوامة الرجل على المرأة إلى نوع من ظلم المرأة، وعودة إلى بعض عادات الجاهلية، وهو ما نتج عنه محاولات تمرد من المرأة، واستجابتها لإغواء شياطين الجن والإنس؛ للتمرد على بعض ما يُلزمها به أولياؤها كالحجاب، وإن كان لزومه شرعيًا لا عرفيًا.

ومن جهة المعاملات المالية: كانت الأمانة هي الأصل؛ لأنها من الدين، ثم تحولت إلى سمعة طيبة يسعى الإنسان إلي تحصيلها، ومن ثمَّ صح معها أن يضحي بها إذا لم يكن في حاجة إليها، كما قالوا في أمثالهم: "يا لي رايح كتر من الفضايح"!

وقل مثل هذا في تعامل القوي مع الضعيف، وفي غيرها من المجالات التي تتشابك فيها علاقات المجتمع.

ثم حدث الانفتاح على العالم الغربي بكل ما فيه من مساوئ، وما في مجتمعه من أخلاق رذيلة تجعل مجتمعاتهم مجتمعات قلقة، ثم ازداد الطين بلة عندما دخلت الفضائيات كل بيت، وصارت تتسابق في نقل الواقع الغربي، وفي الدعوة إلى تطبيقه.

وافتتح التليفزيون الرسمي الطريق، وضج الدعاة إلى الله منه ومن إفساده، بل حذر منه علماء التربية والاجتماع، ولكن لا حياة لمن تنادي؛ لا التلفزيون أغلق أبوابه، ولا حتى رشَّد ما يقدمه، ولا الناس استطاعوا مقاومة سحره -إلا من رحم ربي-، ووُجدت في التليفزيون رقابة علا سقفها واتسع لتقديم مشاهد الحب والغرام، والأحضان والقبلات، ومشاهد السخرية من الآباء والمعلمين! وشوَّقت المشاهد تحت مسمى التحذير إلى اللذة المحرمة في علب الليل، وأماكن تعاطي المخدرات.

ثم جاءت القنوات الفضائية فهدمت سقف الرقابة تمامًا، ولم تمنع إلا ما يمنعه الغرب عن مشاهديه في قنواته العامة، وجاءتنا قناة "ساويرس" بشعار: "حق المشاهد في أن يرى الفيلم الأجنبي بلا حذف"، ومن قبله نقلت قنوات الفسق العربية برامج: "ستار أكاديمي" وغيرها من نقل الواقع الغربي العفن.

الصفحة التالية