شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الركاب إذ يقتل بعضهم بعضًا

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

وفي ظل أزمات اقتصادية طاحنة تمكِّن المشاهد البسيط -حتى سكان المقابر- من الاشتراك في "الوصلة" ليحصل على حقه في مشاهدة أفلام غير محذوفة ؛ يرى فيها كيف يقتل الإنسان الغربي المادي نفسه عند أول مصيبة تلم به، ويرى كيف يتلذذ المجرم الغربي بالانتقام ممن أساء إليه أو حتى من لم يسئْ، يرى البطل وقد دخل مدرسته يوم كان طفلاً ليفتح النيران على أطفالها؛ لأن مدرسته قد عاقبته في صغره.

يرى فيها البطل الذي لا يشعر بلذة الجنس مع زوجته ولا مع عشيقاته، ولكن لابد أن يصطاد الضحايا، ويعذبهن ويغتصبهن.

فإذا ما غيّر التردد على القنوات الناطقة بالعربية وجد مغنيات وراقصات ومذيعات، وقد ذاب الفصل بين الثلاث فلا تكاد تميز إحداهن عن الأخرى؛ مما يزيده شبقًا وحسرة، ويسمع أخبارًا عمن يتقاضون في الساعة ما يتقاضاه هو في الشهر، وربما في السنة، وليس لديهم من مزية إلا الفسق والفجور!

ورأى وسمع الملايين التي تُدفع إلى لاعبي الكرة، وشاهد الإعلانات التي تعتبر الحياة في مدينة ليس بها ملاعب للجولف حياة مملة!

والمُشاهِد بين قادر على هذا أو على شيء منه؛ فيزداد بهذه المشاهدات عطشًا ونهمًا؛ فيدوس على كل القيم في سبيل شهوة المال، ثم يعيد إنفاقها على ملذاته، وربما تسابق ذوو الأموال على شراء الموديلات الغنائية الراقصة؛ ليضم كل منهم بعضًا منهن إلى مقتنياته، ومن عجز عن الشراء واكتفى بالإيجار سجل هذه الإجارة على أقراص مدمجة؛ من أجل الفخر والمجاهرة بالمعصية!

وصار مذيعو الفضائيات يوجهون بعض المنتسبين إلى العلم؛ فيجبرونهم على الإفتاء بما يوافق هواهم الغربي، وإلا سخروا منهم، وشهروا بهم على رؤوس الأشهاد.

ومن ثمَّ صار المدرس والطبيب يسمع فتاوى بجواز الخلوة بالتلميذة والمريضة، ثم يكون الشيطان ثالثهما؛ مصداقـًا لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حتى وإن كذب بالخبر النبوي -بل بالواقع المشهود- مَن كذَّب، ثم تكون الجريمة؛ فالقرص المدمج من أجل الفخر، ثم العار والفضيحة.

المشهد مليء بالصور الكئيبة المحزنة، وإن كان على الجانب الآخر تتزايد الصور المشرقة في الاتجاه الآخر، ولكن هذه الأخلاق المهترئة نار تأكل المجتمعات التي تعيش فيها.

إن القضية أكبر من أن يُدير لها الجميع ظهره؛ فلا الذي ربى أولاده على أخلاق الإسلام بمأمن على نفسه وأهله من أن يفتح رجل ثائر من شيء ما عليهم النار عشوائيًا، أو أن يقعوا تحت براثن ذئب بشري قضى نهمه ممن وقعوا فريسة الخلوة معه فأراد أن يوسع نطاق نشاطه مع تلميذات الفصل، ولا يأمن على أولاده مِن عامة مَن خرجن إلى الطرقات يبالغن في تقليد مغنيات الفيديو كليب في الخلق والمشية، لا سيما وأن الفيديو كليب يمزج الواقع بالأغنية في هيئة عجيبة نتاجها ما تراه أمامك في شوارع المسلمين، ولا تأمن أي جهة على استقرار النظام وبقاء عراه في ظل حالة الانفلات التي تتصاعد.

إننا لا نفشي سرًا إذا قلنا: إن الحل يكمن في عودة الجميع إلى الإسلام؛ حكامًا ومحكومين، إعلامًا وتعليمًا، فإذا كان البعض لا يرى أن هذا مما يمليه عليه دينه؛ فليعتبر أن هذا مما تمليه عليه حاجته إلى أن يعيش في بلد آمن.

إن العلاج يكمن في شيء مجمل واحد، هو: الإيمان؛ فالأمن والإيمان قرينان:

قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) (الأنعام:82) ، فالأمن حكر على المؤمنين، وأما الكفار فلا يحصلون على الأمن إلا بمقدار ما يوافقون فيه دين الله والعقل والفطرة.

وإلا فكل ما نشتكي منه مِن أعراض يوجد أضعاف أضعافه في الغرب، ولكنهم يتعايشون معه؛ لإدراكهم أنه لا بديل متاح في حضارتهم إلا هذا، ومع هذا فهم ينفقون الأموال الطائلة على نظم الأمن والحراسة والمراقبة، مما لا يتيسر مثله في بلاد المسلمين.

والإيمان كما بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً ) (رواه مسلم)، ولكل منها أثره في الأمن.

وإليك أثر طائفة من شُعب الإيمان في تحقيق الأمن المفقود:

الحب: من وجد الله -تعالى- فقد استغنى عن كل شيء؛ فمن أحب الله لم يفرح كثيرًا بما أوتي، ولم يحزن كثيرًا على ما فقد، كما في الدعاء الذي روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة الطائف: ( اللَّهُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي ).

والحب يجعل العبد يطيع ربه حتى في مخالفة هوى نفسه؛ مما يمنعه من الاستسلام لدواعي اليأس والقنوت، والظلم والتكبر، وشهوة الانتقام.

التوكل: هو البلسم الذي يهوِّن على العبد ما يلاقيه من مصائب في الدنيا؛ سواء على ما كان قدريًا محضًا، أو ما كان بأيدي الغير؛ فبالتوكل يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الرجاء: الرجاء في انفراج الهم يجعله يسرًا على صاحبه: ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح:5-6) ، وبالرجاء لا يقع العبد فريسة لليأس، فيقع في قتل نفسه أو قتل غريمه، لا سيما إذا ضم معه الخوف مِنْ عواقب هذه الذنوب عند الله.

ورجاء ثواب الآخرة مما يجعل الدنيا بأسرها لا تساوي عند صاحبها شيئًا، وهو يعلم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهو يقرأ قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن لقي من أصحابه أشد أنواع العذاب: ( صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ؛ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية